
بقلم جوزاف وهبه
كأنّ شيئاً لم يكن.كأنّ حرباً طاحنة لم تحدث.كأنّنا لم نُقتَل، ولم نُهجَّر ولم تُقصَف بيوتنا وتُدمَّر قرانا وبلداتنا، وتُحرَق أشجار الزيتون والليمون والصنوبر.المشهد القديم – الجديد يتكرّر بظلامة غير مسبوقة.الممثّلون يستعيدون أدوارهم:القاتل من جهّة..والقتيل من جهّة أخرى.يتلاقيان “في الميدان”.وسلفاً يعرف كلّ منهما نهايته، أو موته الأكيد برصاصة أو قذيفة أو صاروخ مسيّرة لا تنفكّ تحتلّ السماء، وتغتال كلّ مَن يدبّ فوق الأرض أو تحت سقف لا يحميه، تماماً كما في حال ذلك “المقاتل” الذي خيّروه بين أن يخرج فيستشهد منفرداً، أو أن يستشهد مع باقي أفراد العائلة!
من إسناد إلى إسناد، لا نكفّ عن تحقيق الإنتصارات:إنتصار إلهيّ بأصبع حسن نصرالله..وانتصار ملائكيّ بعباءة نعيم قاسم.والنتيجة، في كلا الإنتصارين، واحدة حزينة مأساويّة:الجنوبيّون تائهون على أرصفة الرملة البيضاء بانتظار بوارج معادية تغتال مَن تشاء.أهالي الضاحية الجنوبيّة في شقق لا توفّرها الصواريخ الذكيّة بعناية فائقة.ويُضاف من جديد إلى القائمة السوداء الطويلة أهالي النبي شيت وبعلبك والبقاع..الجنازة قائمة منذ 1400 سنة وأكثر، ولا تزال.وحده الموت يطهّرنا.وحده الأسود يليق بنا:أيّ ثقافة هذه، أيّ “ميدان” هذا..أيّ انتحار جماعي سوريالي فريد من نوعه في التاريخ!!
“إلى الميدان” يذهب بنا الأمين العام الجديد، تماماً كما فعل سلفه الأمين العام في غفلة من الحسابات الخاطئة (لو كنتُ أعلم، ومئة ألف صاروخ..وحيفا مقابل الضاحية).وما يجمع بين الأمينين إنّما هو “الإسناد” (إسناد غزّة، وما بقيَ أثر من غزّة..وإسناد إيران، وتكاد تلتهم النيران قدراتها وقواها ونفطها..).ما يجمع بينهما هو “السرديّة” التي تقود الجماعة إلى الموت، تحت أهازيج “لبّيك..لبّيك”، تحت شعارات “الشهيد السعيد”، وتحت غيبيّات “المهدي المنتظر، سيف الإمام والطيور الأبابيل”.
كنّا في خمس نقاط جنوبيّة يحتلّها الجيش الإسرائيلي بفضل “حرب إسناد غزّة”.وها هي بلدة الخيام العزيزة الشهيرة بتحرير معتقلها تسقط من جديد في قبضة العدو بفضل “حرب إسناد إيران”، بالرغم من بعض المحاولات الخجولة لتحويل حقيقة “إسناد طهران” إلى مقولة الدفاع عن لبنان.فبيان المقاومة الإسلاميّة الأوّل الذي تلى إطلاق الصواريخ الستّة (بوّابة جحيم الحرب القائمة)، ثمّ خطاب المرشد الأعلى (الجديد..الضائع) الخامنئي الإبن (مجتبى) إنّما يؤكّدان المؤكّد بأنّ ما نعيشه اليوم هو “دفعة صافية” في الحساب الإيراني، ليس إلّا.لا شبهة لبنانية فيه، تماماً كما لم تكن هناك شبهات مماثلة في حرب إسناد غزّة تحت لواء “وحدة الساحات”، والتي – للأسف – لا تتجلّى مفاعيلها سوى في اتّجاه واحد:نموت لأجل الدفاع عن نظام الملالي..ولا يموت جنديّ إيرانيّ واحد للدفاع عن لبنان وأرضه وشعبه، أو عن أرض اليمن والعراق.قُتِل الخامنئي فقام لبنان ولم يقعد، وقُتِل نصرالله فلم يتحرّك ساكن في طهران:أليس كذلك؟
“الميدان يتكلّم..الفصل في الميدان..إلى الميدان” تعابير لم تأخذ بنا سوى إلى الهلاك.لم نتعلّم أيّ شيء من الدروس المتتالية.نعاند ميزان القوى بغباء مطلق نسمّيه البطولة، كما عبّر عن ذلك الأمين العام نعيم قاسم في اعترافه باختلال ميزان القوى، وفي قوله أنّه يسطّر صفحة في كتاب التاريخ، ومع كلّ سطر يسقط طفل تحت سقف منزله، تترمّل امرأة في ريعان الصّبا، يُفجع أبٌ وأمٌّ بأبنائهما الشباب تختفي جثثهم تحت أكوام الركام والحجارة.
جاء في الكلام المقدّس “إرحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء..”، فمتى يكفّ قادة الحزب، أصحاب الرؤوس الحامية والإنتماء الأعمى، عن العبث بمصير طائفة ووطن؟ متى يكفّون عن عزف أناشيد الموت كمكنونات إلهيّة لا مفرّ منها.بلى، هناك سُبل للخلاص، هناك منافذ للهروب من القدر، بقليل من العقل والتعقّل، وبالكثير من الإيمان الثابت بأنّ ثقافة الحياة أسمى بأشواط وأشواط من ثقافة الموت!
