من لبنان الرسالة إلى غابة السلاح كيف تحوّل فقدان السيادة إلى الخطيئة التأسيسية للدولة

بقلم الياس عيسى الياس

يستند هذا المقال إلى أفكار وتأملات أستاذي الدكتور أنطوان الديري المنشورة على صفحته على “فيسبوك”.

​يا لتعاسة وطنٍ يُصاغ مستقبله في الغرف المظلمة، ويُحكم بقوة الأمر الواقع لا بقوة الحق. نقف اليوم فوق ركامٍ لم يعد يميّز بين حجرٍ وبشر، فنجد أنفسنا أمام الحقيقة العارية: إنّ لبنان “الرسالة” يتلاشى في “غابة سلاح” لا تعرف قانوناً سوى شريعة الغاب، ولا لغةً سوى الفرض والترهيب.

​إن مأساتنا الحقيقية ليست في فقر الجيوب أو انهيار العملة، فالمادة قد تذهب وتعود. المأساة تكمن في “أنيميا الكرامة” وضياع السيادة التي هي عقل الدولة وروحها. كيف استسلمنا لهذا الجنون؟ وكيف صمت “العقلاء” وهم يرون نيران “الدويلة” تلتهم أعمدة البيت، واهمين بأنها نارٌ للتدفئة، بينما هي حريقٌ يحول الوطن إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية المتفجرة.

​منذ أربعين عاماً واللبناني يقتات على الأوهام. ظننا أننا نبني وطناً يتسع للجميع، فإذا بنا نُشيّد سجناً جدرانه من سلاح غير شرعي، وقضبانه من ولاءات عابرة للحدود تضع مصلحة “المحور” فوق مصلحة “البيت”.

​أربعون عاماً من الاحتكار المسلح حوّلت شعباً كان يصدّر الحرف، إلى طوابير من المنكسرين يبحثون عن رغيف خبز في غابةٍ لا ترحم. في هذه الغابة، صار القضاء ألعوبة، والهارب من العدالة سيداً، والمرفأ.. ذاك الشريان الحيوي، صار شاهداً صامتاً على ذبح السيادة في وضح النهار.

​إن المفارقة الأخلاقية الكبرى هي أن بعض القوى التي ترفض أي سلاح منافس في بيئتها الخاصة، وتفرض انضباطاً حديدياً على جمهورها، هي نفسها التي تستكثر على الدولة حقها الطبيعي والوحيد في احتكار السلاح. هذا الانفصام حوّل الدولة إلى “هيكل عظمي” وترك المواطن أعزلاً أمام تغول القوى التي لا تؤمن بغير القوة.

​إن استرداد قرار الحرب والسلم ليس ترفاً فكرياً، بل هو استعادة للفضيلة التي سلبها المستكبرون من يد الشعب ليضعوها في جيب الغرور الإقليمي.

​هل نسيتم الشهيد الطيار سامر حنا؟ إن دمه الذي سيل على تلة “سجد” لم يكن حادثاً عابراً، بل كان نعياً رسمياً لهيبة الدولة أمام سلطة الغاب. سُفكت تلك الدماء بصمت مخزٍ، ليعلم الجميع أن بزة الجيش اللبناني لا حصانة لها أمام “العصبية” التي قررت ألا شريك لها في الأرض ولا في السماء.

​وعلينا أن نذكّر المصادرين للذاكرة: إن المقاومة كانت يوماً “فعل عقل ووطن” قبل أن تُساق إلى مسلخ الطائفية المذهبية. كانت موكباً عظيماً لم يفرق بين جبين وآخر؛ هناك حيث خط جورج حاوي ومحسن إبراهيم البيان الأول، وسار أنور ياسين وسهى بشارة في دروب الجنوب.

​أين نحن اليوم من “جورج عريس” وسناء محيدلي وبلال فحص؟ لقد كانت الدماء تتدفق من كل الشرايين اللبنانية: يساريين، وقوميين، مسلمين ومسيحيين. كانت مقاومة تحتضنها الدولة، قبل أن يُغلق المشهد بستار طائفي غليظ، ويتحول السلاح من وسيلة تحرير للأرض إلى أداة هيمنة وإذلال للداخل.

​إن من يقرأ التاريخ يدرك أننا نعيش فصول مسرحية كُتبت عام 1969. فمع “اتفاق القاهرة”، وُلدت “الخطيئة التأسيسية” التي شرعنت وجود “دولة داخل الدولة”. كان الهدف دائماً إثبات أن لبنان “كيان فاشل” عاجز عن حكم نفسه، ليبقى مجرد ساحة لتصريف صراعات الآخرين.

لقد عاين أصحاب البصيرة بمرارة تداعيات غياب السيادة، حين تحولت قرانا إلى منصات للصواريخ دون إذن من أهلها. وُضع الأهالي بين مطرقة السلاح غير الشرعي وسندان الرد التدميري. هذا الفراغ الأمني هو الذي شرذم الوجدان اللبناني، ودفع الناس للبحث عن “أمن ذاتي” بديل، في مشهد يجسد قمة الضياع الوطني.

​اليوم، ونحن نتحسس قاع الهاوية، لم يعد هناك مجال للمواربة. لا توجد منزلة بين المنزلتين: إما دولة تمتلك وحدها حق “العنف الشرعي”، أو غابة ينهش فيها القوي الضعيف. إن نظام “دولة الدولتين” هو الموت بعينه، واستعادة السيادة هي الواجب الأخلاقي والوجودي الأول للبقاء.

​إن اللبناني لن يستعيد كرامته طالما أن قراره يُصنع في عواصم غريبة، وسلاحه يُحمل خارج إطار مؤسساته الشرعية. السؤال يبقى بسيطًا وقاسيًا: هل نستعيد الدولة وسيادتها ونسترد وطننا من مخالب الغابة، أم ننتظر رصاصة الرحمة على كيان كان يوماً يسمى.. لبنان؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top