
بقلم خالد صالح
لم يكن وجود هذه الزاوية “فوق مقص الرقيب” مصادفة، بل كان خلاصة تجربة امتدت لعقود في مجال الصحافة والاعلام، وأردتها أن تكون زاوية للتعبير “من دون كفوف” عن واقع أليم نعيشه في لبنان، لأن هذه المرحلة تتطلب مكاشفة بلا رتوش، تتطلب وضع الإصبع على الجرح مباشرة، نتألم .. نعم، لكننا نعرف موضع الألم ..
تقول الرواية أن رجلًا انتقل مع عائلته إلى منزل جديد، وبعد أيام وأثناء تحضير الزوجة لوجبة الغداء، ألقت بنظرها من نافذة المطبخ، ابتسمت بسخرية ثم جلست تأكل، سألها الزوج: “ما حالك يا عزيزتي؟”، فردت الزوجة: “وقعت عيني على شرفة جيراننا فلاحظت أن بينهم وبين النظافة سوء تفاهم، أنظر إلى غسيل جارتنا، متسخٌ ومزيّن ببقع غريبة، لابدّ أنها بخيلة وتشتري مسحوق تنظيف رخيصًا” ..
نظر الزوج من النافذة، هزّ رأسه وتابع طعامه، وبعد مرور عدة أيام، وإذ بالزوجة وفي كل مرة تدخل المطبخ تكرر التعليقات نفسها وتستخدم عبارات مختلفة، حتى جاء اليوم الذي دُهشت فيه فصاحت لزوجها مسرعة، وقالت له: “انظر.. يبدو أن جارتنا تعلّمت أخيرًا كيف تغسل؟” ..
هنا رمقها الزوج بنظرة عطف وخجل، وقال لها: “حبيبتي، أحيانًا قد تكون أخطاؤنا هي التي ترينا أعمال الناس خاطئة، فقد نهضت صباحًا ونظفت زجاج نافذتنا التي ننظر منها إلى شرفة جيراننا” ..
معالجة الخطأ بالخطأ
انقضى الشهر الأول من المواجهة الكارثية التي جرّنا إليها “حزب الله” و “الحبل ع الجرّار”، مواجهة تأتي استكمالًا لسلسلة طويلة من الأخطاء المروّعة التي زجّ البلاد والعباد فيها نتيجة قراءات خاطئة من زاويةِ مصالحه فقط، من دون الالتفات إلى مصلحة لبنان، شهرٌ قاسٍ استعدنا فيه مفردات كنا نعتقد أنها ولّت إلى غير رجعة، الاحتلال، النزوح، الشريط المحتل، المنطقة العازلة، التهديد والوعيد بالحرب الأهلية، مفردات وضعت اللبنانيين من دون استثناء أمام قلقٍ مخيف على مستقبل وطنهم .
منذ أيار العام 2000 تاريخ النصر الكبير الذي تمثل بانسحاب جيش العدو من أرضنا يجرّ أذيال خيبته وذله، دخل “حزب الله” دائرة الأخطاء المميتة لأنه كان يرى لبنان من خلف “نافذته” الملّوثة بمصالح مركز قراره في إيران، وكان يرى اللبنانيين غير مؤهلين لقيادة الدولة، فالمقاييس التي يعتمد في رؤيته عليها جعلته يعتقد أن الخلل يكمن في الآخرين وليس في سياسته وجبروته وشعوره الدائم بـ “فائض القوة” على شركائه في الوطن.
وعليه، بدأ يرتكب الخطأ تلو الخطأ، وفي كل مرة يحاول عبثًا معالجة الخطأ بالخطأ، إذ أن بعد التحرير لم يُقدم حزب الله على الانخراط في مفهوم “الدولة”، بل كانت غايته في كيفية تطويع هذا المفهوم، ولم يعمل على استثمار النصر في تعزيز مؤسسات الدولة بل أوغل في ضربها من الداخل فساهم بشكل كبير في بناء “الدولة العميقة” التي عاثت بالمقدرات الوطنية فسادًا ومحسوبيات، فجاء القرار 1559 الذي وضع رقبة الحزب بين المطرقة والسندان.
ثم توالت الأخطاء الكبرى، شارك في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بإيعاز من محوره (سوريا وإيران)، وحين وجد نفسه مضطرًا للتعامل مع اللبنانيين اشعل حرب تموز 2006 التي “كان لايعلم” بمسارها، ولتغطية “السموات بالقبوات” حاصر الحكومة اللبنانية واجتاح بيروت ثم انقلب على نتائج انتخابات الـ 2009 واسقط حكومة الوحدة الوطنية واقتحم القرار السياسي بـ “القمصان السود”، ثم دخل في الأزمة السورية شريكًا فاعلًا إلى جانب النظام البائد، وتعطيله انتخابات الرئاسة كرمى لعيون حليفه، وصوًلا إلى دخوله في حرب “إسناد غزة” في وقت تعالت فيه أصوات اللبنانيين برفضهم دخول الحرب، ثم حرب الـ 66 يومًا، وأخيرًا اتخاذه القرار بالثأر للمرشد الأعلى .
حزب وليس مقاومة
أسهمت هذه الأخطاء الكارثية التي وقع بها حزب الله وأوقع لبنان بشراكها من دون أن يرفّ له جفن، بنزع صفة “المقاومة” عنه، إذ أن مفهوم المقاومة يعني العمل على التخلّص من نير المحتل، وبما أن لبنان تحرّر في أيار من العام 2000، سقط هذا المفهوم وصار لزامًا عليه أن يساهم في تأسيس مفهوم “الدولة” لكنه قام بتأسيس “الدويلة” التي لاتخضع لأي معايير سوى التي تتناسب مع معاييره فقط، وما تحقق في يوم التحرير بدأ بخسارته تدريجيًا، فلم يعد هناك من معالم هذا الانتصار أي شيء .
إن المعادلة القائمة حاليًا أثبتت أن ناصية الحزب ليست بيد قادته، بل هناك في طهران، وأن إصراره على التمسك بسلاحه ليس بهدف تنفيذ شعاره “نحمي ونبني” بل لاستخدامه في تعقيدات إقليمية أكبر من قدرة لبنان على التعامل معها، وأن تغليف مشروعه بإطار مذهبي لم يكن يومًا خدمة للمذهب، بل تنفيذا لأوامر آتية من خلف الحدود، لأن الوقائع أثبتت عقم رؤيته وعدم صوابيتها على الإطلاق، بدليل أن العدو الاسرائيلي استباح الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي تدميرًا وتهجيرًا ونسفًا لكل مقومات الحياة ..
لم يعد لدينا من إنجازات التحرير إلا الندم والحسرة، الندم على ضياع الفرصة الذهبية التي أتيحت لنا كلبنانيين لتحصين واقعنا ووطننا، والحسرة أن المرحلة المقبلة متروكون لقدرنا، أما حزب الله فقد أضاع المكانة التي بلغها في الـ 2000 ولامناص له من العودة إلى الوعي والرشد بأن الطريق إلى الدولة هو الذي يعيد ماتهدّم ويفتح الباب نحو تحرير آخر، وعليه أن يقوم بتنظيف “نافذته” كي يرى الحقيقة الناصعة ويُدرك أن الرؤيا الوطنية “نظيفة جدًا” ..
