
تشهد الساحة اللبنانية في الفترة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى التوتر الشعبي، نتيجة تداخل عوامل معيشية ضاغطة مع تطورات أمنية حساسة مرتبطة بما يُعرف بـ«حرب الإسناد الثانية» التي يخوضها حزب الله إلى جانب إيران. ومع تصاعد لغة الاستفزاز والتحدي على وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو الشارع اللبناني مهددًا بالانزلاق نحو توترات ذات طابع أهلي، تغذيها خطابات الانقسام والكراهية.
لم تعد منصات التواصل مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى أدوات تعبئة وتحريض متبادل، حيث تُختزل القضايا المعقدة بخطابات حادة تعمّق الشرخ بين اللبنانيين. وفي ظل غياب الضوابط، يتزايد الشحن الطائفي والسياسي، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الداخلي ويهدد بتفجير توترات كامنة.
بالتوازي، تسهم الضربات الإسرائيلية المتصاعدة، التي تستهدف عناصر ومسؤولين من حزب الله والحرس الثوري الإيراني، في رفع منسوب القلق. ولا تقتصر خطورة هذه العمليات على طبيعتها العسكرية، بل تمتد إلى أماكن تنفيذها داخل مناطق سكنية مكتظة وحساسة طائفيًا، كما حصل في عائشة بكار والحازمية وعين سعادة، إضافة إلى استهداف مواقع في بيروت وبعبدا. هذا الواقع يضع المدنيين في دائرة الخطر المباشر، ويزيد احتمالات الانفجار الأمني الداخلي.
هذا المشهد يعمّق الشعور بانعدام الأمان لدى المواطنين، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية. فالفرد الذي يواجه أعباءً معيشية قاسية، يجد نفسه أيضًا أمام تهديدات أمنية يومية، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بالخطابات التحريضية.
في هذا السياق، يراهن الرئيس جوزاف عون على وعي اللبنانيين والقيادات السياسية لاحتواء التوتر، مؤكدًا ضرورة حماية السلم الأهلي وعدم السماح بأي انزلاق داخلي. إلا أن هذه المواقف، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية في ظل غياب إجراءات تنفيذية واضحة لضبط الخطاب التحريضي ومحاسبة المسؤولين عنه.
تكمن الإشكالية الأساسية في تلاقي عاملين خطيرين: الضغوط المعيشية التي تضعف تماسك المجتمع، والتصعيد الأمني الناتج عن الغارات الإسرائيلية المتنقلة، وما يرافقها من اغتيالات ودمار ونزوح. ومع انتشار الشائعات والأخبار غير الدقيقة، تتفاقم حالة القلق ويزداد خطر الانفجار الاجتماعي.
مواجهة هذا الواقع تتطلب تحركًا رسميًا أكثر فاعلية، قد يشمل إعلان حالة طوارئ لتشديد الرقابة على الخطاب التحريضي، وتعزيز دور الدولة في حفظ الاستقرار. كما تبرز أهمية التعاون مع المنصات الرقمية للحد من المحتوى المهدد للسلم الأهلي، إلى جانب تبني خطاب سياسي وإعلامي مسؤول يخفف من حدة الانقسام.
في المقابل، يبقى للمجتمع المدني دور محوري في نشر ثقافة الحوار والتسامح، خاصة في ظل تراجع دور بعض المؤسسات الرسمية، وغياب فاعلية مجلس النواب في مواكبة هذه التحديات. فالحفاظ على السلم الأهلي يشكّل أولوية وطنية لحماية لبنان من مخاطر الانهيار الداخلي
