
بقلم الياس عيسى الياس
لم تكن غارات “الأربعاء الأسود” الدامية، التي استباحت جسد لبنان من أقاصي الجنوب إلى عمق البقاع وصولاً إلى قلب بيروت، مجرد فصل إضافي في كتاب العنف الإسرائيلي المتمادي. بل كانت اللحظة الأكثر عرياً في تاريخ المشرق الحديث؛ اللحظة التي استيقظ فيها اللبنانيون ليجدوا وطنهم وقد تحول إلى “خسارة جانبية” في سوء تفاهم إقليمي كبير.
لقد بدا لبنان اليوم كأنه “زيت محرك” لتليين تروس مفاوضات تجري فوق الرؤوس والأنقاض. هنا يواجه مفهوم “وحدة الساحات” اختباره القسري والأكثر قسوة، بينما يزهو الرئيس ترامب بهدنة الأسبوعين مع طهران لتأمين استقرار الأسواق.
في هذه الأثناء، صدم نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” الجميع بتوصيفه لما جرى بأنه “سوء فهم حقيقي”.أكد فانس ببرودة أن واشنطن لم تعِد أبداً بشمول لبنان في ترتيبات التهدئة، واضعاً البلاد عملياً في منطقة “الاستفراد” الممنهج تحت نيران عملية “الظلام الأبدي” الإسرائيلية.
لقد تركت هذه المعادلة لإيران “خيار” نسف مفاوضاتها إذا أرادت التمسك بساحة بيروت، وهو ما وضعها أمام مأزق ذو حدين.فالفعل العسكري الواسع رداً على استباحة لبنان بات يعني لطهران انتحاراً سياسياً ونقضاً لعهودها مع إدارة أمريكية لا ترحم.
أما الوقوف الإيراني عند حدود “الصمت المطبق”، فيعني سقوطاً مدوياً لصدقية “وحدة الساحات” وانتحاراً أخلاقياً تجاه الحلفاء. لقد كشفت اللحظة أن الساحة اللبنانية تُرِكت وحيدة تحت النار حين تقاطعت أولويات طهران مع مصالح واشنطن النفطية.
وبروح فلسفة “سينيكا” الواقعية، نحن أمام “اختبار جبري” كشفت فيه الضرورة عن حقيقة الأولويات؛ حيث تقدّم “بقاء النظام” على “وحدة الشعارات”. هذه المعادلة تركت “البيئة الحاضنة” تواجه قدرها منفردة تحت ركام مئة غارة في عشر دقائق.هذه الغارات التي خلّفت، وفقاً لآخر التحديثات، 182 شهيداً و890 جريحاً في حصيلة مفجعة ليوم واحد.
هذا الانكشاف الاستراتيجي شكل صدمة مدوية للوعي السياسي، تلقفها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بمسؤولية. أعلن سلام أن الدولة هي الطرف الوحيد المخول بالتحدث باسم البلاد، في فعل سيادي لاسترداد القرار المختطف.
ولم يكن إعلانه اليوم الخميس ‘يوماً للحداد الوطني’ مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو فعل سياسي يهدف إلى ‘تأميم الوجع’ اللبناني؛ إنها محاولة لانتزاع الضحايا من سياق التبعية للمحاور، وإعادتهم إلى حضن ‘المواطنة’ والكرامة الوطنية.
تعيش البيئة التي راهنت لسنوات على “وحدة المسارات” حالة من الذهول اليوم. فقد ثبت أن توازنات القوة الدولية قد تفرض “فصلاً قسرياً” بين الساحات عند أول مفترق للمصالح الكبرى.
هذا التباين يضع لبنان أمام “فراغ استراتيجي” قاتل، بعد سقوط أوهام المظلة الإقليمية التي صُوِّرت كدرع رادع. وفي غياب هذا الدرع، توحشت آلة القتل الإسرائيلية لفرض شروط سياسية قاسية تحت وطأة النار.
إن “تهيئة الظروف” التي تحدث عنها فانس لنجاح مفاوضات واشنطن وطهران، تعني بوضوح تحويل الوطن إلى “صندوق بريد”. صندوقٌ يتم إحراقه بالكامل لضمان وصول الرسالة الدبلوماسية سليمة إلى أصحابها في العواصم البعيدة.
أمام هذا المشهد، لم يعد للبنانيين خيار سوى الالتفاف خلف المسار السيادي الذي رسمه الرئيس سلام. وهو مسار يرفض أن يُسأل عن لبنان في عواصم أخرى، ويصر على استعادة القرار الوطني من أيدي المحاور.
فتجارب التاريخ تؤكد أن من يربط مصيره بمشاريع خارجية، يجد نفسه حتماً “الورقة الخاسرة”. يجد نفسه متروكاً وحيداً حين يحين أوان تبريد الجبهات الكبرى وتقاسم المغانم الدولية بين الكبار.
المشكلة اليوم ليست في قلة الوساطات، بل في غياب “مركزية القرار” الرسمي. فطالما تظهر الدولة ككيان تُدار فيه الحرب عبر قنوات متناقضة، سيبقى العالم ينظر إلينا كـ “ساحة” لا كدولة مستقلة.
لذا، فإن حشد الطاقات الدبلوماسية الذي دعا إليه رئيس الحكومة هو الخطوة الأولى لكسر هذا الاستفراد. هو تأكيد على أن السيادة هي القدرة العملية على إدارة شروط السلام والحدود دون وصاية خارجية.
إن ما نعيشه اليوم هو “مخاض سيادي” عسير؛ فإذا قرر العالم أن مسارنا “مستقل” بدماء الأربعاء، فلنجعله نحن حقيقة بقرارنا الشجاع. دماء الشهداء وآلام الجرحى هي الدافع الأسمى لرفض التبعية والاستلحاق.
لقد ولى زمن تجارة الساحات، وآن لبيروت أن تفرض حضورها كلاعب أصيل لا كـ “تتمة” في هوامش الآخرين. فمن يرضى بأن يكون ورقة ضغط، ينتهي به المطاف وحيداً على قارعة الطريق.
لبنان اليوم يصرخ بتنكيس أعلامه أن زمن التضحية به على مذبح الآخرين قد انتهى. إن أمننا يبدأ من بيروت، و”وحدة الساحات” الحقيقية هي وحدة الساحة اللبنانية خلف مشروع الدولة التي تملك وحدهـا حق كتابة المستقبل.
