بين الحرب وضغط التفاوض: إلى أين يتجه الداخل اللبناني؟

بقلم ندى جوني

شهد لبنان يوم الأربعاء 8 نيسان 2026 يوماً دامياً بعد التصعيد العسكري الذي نفذته اسرائيل، حيث شنّت ما يقارب 100 غارة خلال 10 دقائق على جنوب لبنان والبقاع وبيروت، مستهدفةً مناطق مدنية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا وأعاد خلط الأولويات على المستويين الأمني والسياسي.

وفي اليوم التالي، تمّ الحديث عن مسار مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ترافقت مع شروط تتعلق بنزع سلاح “حزب الله” والدخول في محادثات سلام بين لبنان واسرائيل. كما أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بأن بيروت مدينة منزوعة السلاح.

كلّ ما حدث أثار اعتراضات داخلية، تمّت ترجمتها بتحركات شعبية. خرج جمهور “حزب الله” إلى الشارع رفضاً للمفاوضات، معتبراً أنها تُفرض تحت ضغط عسكري وتمسّ بالسيادة والتوازنات الداخلية. مما أعاد الإنقسام السياسي والطائفي إلى الواجهة في ظلّ تباين واضح في المواقف من مسار التفاوض وحدوده.

في ضوء هذه التطورات، يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوطات العسكرية مع الانقسامات الداخلية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على إدارة المرحلة، واتجاهات المشهد السياسي في ظل استمرار التصعيد والتجاذب الداخلي.

أسعد بشارة: قرار التفاوض سيادي ولن يُسمح بتكرار 7 أيار

اعتبر الكاتب الصحفي أسعد بشارة أن قرار التفاوض المطروح يُعدّ قراراً سيادياً، انطلاقاً من توافق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام عليه، إضافة إلى كونه يحظى بدعم أغلبية حكومية ونيابية. ويرى بشارة أن هذا التوافق يمنح القرار شرعية دستورية وسياسية، ويجعله معبّراً عن المصلحة اللبنانية، لا سيما في ما يتعلق بوقف الحرب وانتزاع قرار التفاوض من الخارج ليكون بيد الدولة اللبنانية نفسها، بدل أن يُفرض عليها كأمر واقع.

وفي ما يخصّ الموقف الداخلي، أشار بشارة إلى أن حزب الله يسعى إلى تكرار سيناريو أحداث 7 أيار 2008، إلا أنه غير قادر على ذلك في ظل معطيات مختلفة جذرياً. فالحزب، بحسب رأيه، يواجه حالة من العزلة داخلياً وعلى مستوى الإقليم، مع تراجع نفوذ حلفائه، وعلى رأسهم بشار الأسد، إضافة إلى تراجع الدور الإيراني مقارنةً بمراحل سابقة. كما يؤكد أن مؤسسات الدولة اللبنانية لن تسمح بإعادة إنتاج مشهد مشابه لما حصل في 2008.

وفي هذا السياق، اعتبر بشارة أن التحركات الميدانية الأخيرة شكّلت اختباراً واضحاً لقدرة الدولة على ضبط الوضع، مشيراً إلى أن الإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني تعكس جهوزية لمنع أي انزلاق أمني أو فوضى محتملة، وتؤكد وجود قرار حاسم بعدم السماح بتكرار سيناريو 7 أيار تحت أي ظرف.

أما على المستوى السياسي، فرأى أن الحكومة الحالية تحظى بغطاء عربي ودولي واضح، ما يعزّز من استقرارها ويصعّب أي محاولة لإسقاطها. ولفت إلى أن نواف سلام يراكم تدريجياً مصداقية سياسية، من خلال طرحه لمشروع الدولة وسعيه إلى تثبيت مؤسساتها، حتى وإن كان هذا المسار بطيئاً، إلا أنه يسير بشكل ثابت.

ويخلص بشارة إلى أن إسقاط الحكومة في المرحلة الحالية ليس وارداً، نظراً إلى التداعيات التي قد تتجاوز الداخل اللبناني إلى المحيط العربي والمجتمع الدولي. كما يؤكد أن حزب الله لن يتمكن من إعادة سيناريو إسقاط الحكومات كما حصل في عامي 2008 و2010 مع سعد الحريري، في ظل توازنات داخلية وخارجية مختلفة.

الدكتور علي مراد: التفاوض حق دستوري للدولة وموازين القوى تمنع الانفجار الداخلي

يشير الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد إلى أن قرار التفاوض، وفق الدستور اللبناني، يعود إلى رئيس الجمهورية بالتوافق مع رئيس الحكومة نواف سلام، ما يجعله قراراً سيادياً تمارسه الدولة ضمن أطرها الدستورية. ويؤكد أن الإشكالية في لبنان لا تكمن في هذا الحق، بل في أن اللبنانيين لم يعتادوا تاريخياً على أن تتولى الدولة بنفسها إدارة هذا الملف، إذ جرت العادة في مراحل سابقة أن تتولى أطراف خارجية أو قوى داخلية هذا الدور، سواء خلال مرحلة الوصاية السورية أو لاحقاً مع بروز دور “حزب الله” في إدارة ملفات السياسة الخارجية، كما حصل في مفاوضات كاريش.

ويعتبر مراد أن تولّي الدولة اليوم مسار التفاوض يعكس استعادة لدورها الطبيعي، ويعبّر عن المصلحة الوطنية، لا سيما أن الحكومة الحالية تعتبر حكومة جامعة تضم مختلف القوى السياسية، بما فيها “حزب الله” وحركة أمل، ما يعني أن هذا المسار يتم ضمن توافق داخلي، وليس في إطار تجاوز أي طرف أساسي.

وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، يرى مراد أن احتمالات الإنزلاق إلى مواجهة داخلية تبقى محدودة، لأنها ترتبط بشكل أساسي بموازين القوى. إذ يشير إلى أن النقاش الفعلي في لبنان لا يدور فقط حول كيفية إنهاء الحرب، بل حول موازين القوى التي ستنتج عنها داخلياً، ومدى انعكاسها على دور الأطراف المختلفة، ولا سيما الدور الإيراني.

ويضيف أن “حزب الله” لا يمتلك اليوم شبكة التحالفات التي كانت متاحة له في مراحل سابقة، كما أن أي تصعيد داخلي قد يؤدي إلى توتير علاقته مع حركة أمل، وهو ما يشكّل عاملاً رادعاً إضافياً. كذلك، يفرض الواقع الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً في الجنوب بعد التهجير والدمار أولويات مختلفة تتصل بإعادة الإعمار وتحميل كلفتها للمجتمع اللبناني ككل، ما يقلّل من احتمالات الذهاب إلى مغامرات داخلية.

على المستوى السياسي، يلفت مراد إلى أن الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام تمثّل حاجة داخلية ودولية في هذه المرحلة، خلافاً لما يوحي به الخطاب التصعيدي على وسائل الإعلام من قبل جمهور “حزب الله”. ويستدل على ذلك بعدم انسحاب حزب الله من الحكومة حتى الآن، رغم اعتراضه على بعض قراراتها، ما يعكس إدراكه لأهمية بقائها ضمن التوازنات الراهنة، وانتظاره تبلور المشهدين الإقليمي والداخلي.

ويستحضر مراد تجارب سابقة، مثل استقالة الوزراء الشيعة على خلفية المحكمة الدولية عام 2006، وما تلاها من تعطيل سياسي، وصولاً إلى إسقاط حكومة سعد الحريري عام 2010، ليشير إلى أن السلوك الحالي يختلف عن تلك المراحل، إذ يميل “حزب الله” إلى البقاء داخل الحكومة بدل الذهاب إلى خيار المواجهة المباشرة. ويرى أن هناك تبايناً واضحاً بين أداء حزب الله داخل المؤسسات، حيث يسود قدر من البراغماتية والإلتزام بالحد الأدنى من التوازنات السياسية، وبين الخطاب المتصاعد في الشارع.

من هنا، يشدّد على أن الحزب معنيّ بضبط حركته الشعبية وتجنّب انزلاقها إلى توترات غير محسوبة. كما يلفت إلى أن موقف رئيس الجمهورية يتقاطع مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو تقاطع يعكس مستوى من التفاهم السياسي القائم، حتى وإن لم يُترجم دائماً بتصريحات مباشرة، بل يظهر أحياناً عبر الصمت أو إدارة التوازنات بهدوء.

صهيب جوهر: قرار التفاوض في لبنان تسوية اضطرارية لا تعبير عن سيادة جامعة

يرى الصحفي والباحث السياسي صهيب جوهر أن التعامل مع قرار التفاوض مع إسرائيل بوصفه قراراً سيادياً جامعاً يبقى إشكالياً، نظراً إلى طبيعة النظام السياسي اللبناني وتركيبته المعقدة. فمسار من هذا النوع، بحسب جوهر، يتجاوز موقع رئيس الحكومة نواف سلام، ويرتبط ببنية القرار السياسي ككل، وبشبكة التوازنات بين الرئاسات والقوى الأساسية، إضافة إلى تأثير الضغوط الخارجية المباشرة.

يوضح جوهر أن القرار يُقدّم في الخطاب الرسمي كقرار للدولة، لكنه في الواقع محكوم بعوامل متعددة، من بينها ميزان القوى الداخلي، موقف الثنائي الشيعي، حسابات رئاسة الجمهورية، ودور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فضلاً عن الغطاء أو الضغط الدولي والعربي. لذلك، لا يمكن اعتبار أن نواف سلام يملك وحده قرار الذهاب إلى هذا المسار أو رسم حدوده، بل يتحرك ضمن هامش ضيق تفرضه تسويات أوسع، ما يجعل القرار أقرب إلى تسوية اضطرارية فرضتها الظروف العسكرية والسياسية، لا إلى تعبير عن إجماع وطني مكتمل.

وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي، يشير جوهر إلى أن احتمال التوتر قائم، نظراً إلى حساسية الملفات المطروحة، خصوصاً ما يتصل بالتفاوض مع إسرائيل وسلاح “حزب الله”. إلا أنه يستبعد في المقابل تكرار سيناريو أحداث 7 أيار 2008، معتبراً أن الظروف الحالية تختلف على المستويين الداخلي والإقليمي. ف”حزب الله”، رغم امتلاكه القدرة على الضغط وتحريك الشارع، يدرك أن الانزلاق إلى مواجهة داخلية واسعة قد يحمّله كلفة مرتفعة في ظل الضغوط العسكرية والسياسية التي يواجهها.

بناءً على ذلك، يرجّح جوهر أن المرحلة المقبلة ستشهد ارتفاعاً في منسوب الاحتقان السياسي والمذهبي، مع احتمال حدوث توترات أمنية موضعية أو احتكاكات محدودة تستخدم كأدوات ضغط وردع، من دون الوصول إلى مواجهة داخلية شاملة.

أما على المستوى الدولي، فيلفت إلى أن المزاج العام يتجه نحو حماية الحد الأدنى من الاستقرار في لبنان ومنع سقوط الحكومة، ليس بالضرورة دعماً لأدائها، بل خشية من الفراغ أو الفوضى في سياق إقليمي متوتر. هذه المظلة الخارجية توفّر للحكومة نوعاً من الحماية وترفع كلفة إسقاطها بالقوة، لكنها تبقى محدودة التأثير، إذ لا تلغي أهمية التفاهمات الداخلية بين القوى السياسية.

ويؤكد جوهر أن دور نبيه بري يبقى محورياً في ضبط التوازنات السياسية والميثاقية، في حين يشكّل جوزاف عون عنواناً مؤسساتياً ورمزياً للدولة ولمحاولة تثبيت الشرعية الرسمية.
ويخلص إلى أن الخارج قد يساهم في منع الانفجار الكبير، لكنه لا يصنع الاستقرار بمفرده، إذ يبقى هذا الاستقرار رهناً بقدرة القوى المحلية على إنتاج تسوية داخلية تمنع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة أمنية مفتوحة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top