“حزب الله” .. يُريدنا عميانًا ولن نكون !!

بقلم خالد صالح

عندما قرأتُ للمرة الأولى رواية “بلد العميان” للكاتب البريطاني “هربرت جورج ويلز”، تساءلتُ كثيرًا كيف يُمكن لـ “شعب” أن يرتضي الحياة مدعيًا “العمى” وهو مبصر، بل أكثر من هذا، كيف يُمكن لهذا الشعب أن يعتبر البصر والتبصر جريمة كبرى تستوجب العقاب حتى لو بـ “فقأ العيون” ؟..

تأتي أهمية قصة “بلد العميان” ليس من عمق فكرتها وشيوع حقيقتها في كلّ زمان ومكان فحسب، بل بغلبة ذهنية ومعرفة وادّعاء بشر وطواغيت وأنظمة، بتفضيل العمى على البصر، وحياة العزلة وعيش الظلام، على العيش في الحرية والنور، ما يفرض على البشر، أنظمة عميان وطغيان في عصر تفتح وحريات وأنوار وذكاء اصطناعي، بل كيف يُمكن لهذا النظام المبني على أفكار أيديولوجية معقّدة أن ينجح في جعل هذا الشعب بأن يقبل حياة الظلمة على حياة النور؟ .
تابعتُ بإهتمام شديد لحظة إعلان “وقف إطلاق النار” بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وقرأتُ بدقة تفاصيل بنود الاتفاق بندًا بندًا، وشاهدت بأم العين كيف استطاع “حزب الله” إيهام بيئته وقواعده بـ “النصر”، وعلى الفور صعدت رواية “بلد العميان” إلى رأسي تهزه بعنف، وتساءلتُ بعمق: هل وجدت فعلًا؟، هل يتكرّر ويتناسخ وجودُها؟، كيف لشعوبٍ مغلوبةٍ أوغير مغلوبةٍ أن تصير عمياء وبمحض إرادتها؟ ..
نعم، لحظة وقف إطلاق النار هي لحظة عظيمة جدًا ومطلوبة ومترقبة من كل اللبنانيين، فقد هدّتنا الحروب وتفاصيلها، وجعلت من حياتنا جحيمًا لا يُطاق، وكلما شعرنا أننا خرجنا من نفقها سالمين نجد أنفسنا أمام نفق آخر لاحول لنا ولا قوة عليه، ونجد أنفسنا مضطرين أن نتعامل مع مجموعة من البشر ارتضت أن تتحوّل إلى “روبوتات” ناطقة، ترى ما أرادوا لها رؤيته وتنطق بما تمّ تلقينه لها، من دون أيّ دور للعقل البشري أو حتى العمل على استعمال “البصر” .
قصة “بلد العميان” تعيد العبرة والاعتبار لكل من يقرؤها بطرح تساؤل: هل يمكن لقريةٍ أو بلدٍ أو حاكم أن يكونوا عميانًا ويقتنعوا بعمائهم؟، ذلك هو السؤال الاعتباري الفادح الذي يستخلصه القارئ من هذه القصة، لتبرز مشكلة كبرى نراها تحدث الآن في جمهور “حزب الله”، لا تقول بواقعية العمى الذي يصيب مجموعة أو شعبًا، بل المشكلة أن يقتنع العميان بعمائهم، ويحاربوا كل مبصر، ليصير أعمى، أيّ تعميم العماء بفرضه بحروب إبادة وموت .. وهنا الكارثة التي لاتخصّ هذا الجمهور فقط بل بقيادته التي لا تريد أن تبصر ..
أتساءل وأنا استعيد تفاصيل الرواية: هل تصح قراءة أدبها ومدلولاتها ذات الاهتمام السياسي والإخباري والتحليلي الغالب، أم تظل قراءاتنا الاعتبارية والتحليلية لأدبه محصورة في مواقع وصحف الأدب والثقافة، مع أن مواقع الشأن السياسي التحليلي والنظري أولى بالأدب والفكر من غيرها؟، فالرواية تُعتبر أنموذجًا صارخًا عن الاستسلام التام لأفكار علينا تكرارها كفعل “الاجترار”، والعمل على إضاءة ما يمسّنا فيها، ونحن شعب يطالب بالحرية والعدالة والكرامة، ونور العلم والمشاركة في تقدم الكوكب، وازدهارِ حضارة وثقافة إنسانية فيه، وهو حقّ طبيعي للبشر، خصوصًا نحن اللبنانيين منهم.
قصة بلد العميان
رواية “بلد العميان” ليست مجازًا .. بل حقيقة تقودُ إلى مجاز .. ويا ليتَ الحقيقة التي انقلبت إلى قصة عبرها أن تظل في إطار حدوثها مرّة في قرية نائية هي “قرية العميان” من قرى جبال الأنديز في أميركا اللاتينية .. الذين بيوتهم بلا نوافذ، ولا يحتاجون إليها، ويعيشون على الوشوشة، واللمس، والشم، وفضيلة العماء .. واللافت أنهم يتظاهرون بالتقشف عن مغريات العالم، الذي يدّعي البصيرة، وهو أكثر عماءً وصلفًا من أي عصر قبله .. حتى (نيونز) بطلها الذي اكتشفهم، انزلق إليهم صدفة، وهذه البلدة ليست تحت سطوة “مئة عام من العزلة”، بل ألف عام منها وأكثر، مع أنّنا لم نطلع تمامًا على حقيقة حاكمها الأعمى، والقصة تفضح عالمنا المرعب بقناع ادعائه بأنه بصير مع أنه عالَمُ تكنولوجيا صماء عمياء تتحكم بالبشر، وبكل شيء..
قصة العميان للمبصرين العميان الذين لا يعانون من عماء البصر، بل من عماء طائفية وتعصب وشوفينية وإرهاب وعنصرية ومناطقية، وتطرف يميني أو يساري أعمى، أو كل ذلك أو بعضه، والتعالي على البشر والتمييز العرقي أو الإثني هو عماء مركب وفادح.. حتى لكأنّ العماء يجتاح الكوكب كله مثل الطوفان.

الحكاية

يحدثنا المؤلف عن مرض غريب انتشر في قرية نائية معزولة عن العالم فأصاب المرض سكان القرية بالعمى، ومنذ تلك اللحظة انقطعت صلتهم بالخارج، ولم يغادروا قريتهم قط، فقد تكيّفوا مع العمى، وأنجبوا أبناءً عُميانًا جيلًا بعد جيل حتى أصبح كل سكان القرية من العميان، ولم يكن بينهم مبصر واحد.
ذات يوم، وبينما كان متسلّق الجبال “نيونز” يمارس هوايته انزلقت قدمه فسقط من أعلى القمة إلى القرية ولم يُصب الرجل بأذى، إذ سقط على عروش أشجار القرية الثلجية، وأول ملاحظة له كانت أنّ البيوت من دون نوافذ، وأن جدرانها مطلية بألوان صارخة وبطريقة فوضوية، فحدث نفسه قائلًا: “لا بُد أنّ الذي بنى هذه البيوت شخص أعمى”.
وعندما توغّل إلى وسط القرية بدأ في مناداة الناس، فلاحظ أنهم يمرّون بالقرب منه، ولا أحد يلتفتُ إليه، هنا عرف أنّه في “بلد العميان” فذهب إلى مجموعة منهم وبدأ يعرّف بنفسه من هو، وما هي الظروف التي أوصلته إلى قريتهم، وكيف أن الناس في بلده “يبصرون”، وما إن نطق بالكلمة الأخيرة .. حتى أحس بخطر المشكلة، وانهالت عليه الأسئلة: “ما معنى يبصرون؟ وكيف؟ وبأي طريقة يبصر الناس؟.
سخر القوم من “نيونز” وراحوا يقهقهون، بل وصلوا إلى أبعد من ذلك حين اتّهموه بالجنون، وقرر بعضهم إزالة عيونه فقد اعتبروها مصدر هذيانه وجنونه، فهرب مسرعًا بعدما فشل في شرح معنى البصر، وكيف يفهم من لا يبصرُ معنى البصر، هرب قبل أن يقتلعوا عينيه وهو يتساءل كيف يصبح العمى صحيحًا .. بينما يصبح البصر مرضًا ..
عذرًا .. لن أكون “أعمى” بمحض إرادتي !!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top