
بقلم حنين خلف
أكد رئيس المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس الدكتور حسان ضناوي أن المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة”جيدة جداً”، مشيراً إلى وجود دعم حكومي مباشر من رئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب مواكبة عدد كبير من الوزراء المعنيين، وفي مقدمهم وزراء الاقتصاد والأشغال والمالية والعمل والصناعة. وأوضح أن هذا الدعم يترافق مع عمل مجلس إدارة “متفرغ وفاعل” يواكب الملفات المطروحة بشكل مباشر.
وقال ضناوي، في مقابلة خاصة مع “ديمقراطيا نيوز”، إن ارتباطه بطرابلس ليس مجرد ارتباط وظيفي، بل يقوم على”إيمان شخصي” بالمدينة وبقدراتها، لافتاً إلى أنه كان يعتبر دائماً أن طرابلس “محرومة” لكنها تمتلك في الوقت نفسه الأساس والمقومات التي تجعلها قادرة على النهوض من جديد. وأضاف أن فكرة إعادة تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة جاءت أيضاً نتيجة تواصل مع رئاسة الحكومة ومع وزير الاقتصاد، في سياق توجه رسمي لإعادة وضع طرابلس على الخريطة الاقتصادية الوطنية. وعند سؤاله عن رؤيته للمنطقة الاقتصادية الخاصة، قال ضناوي إنها ستشكل “الرافعة الاقتصادية” للمدينة أولاً، ثم للبنان ثانياً، معتبراً أن هذه المنطقة ليست مجرد مشروع إداري، بل أداة فعلية لتحريك الاقتصاد المحلي واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
وفي ما يتعلق بـ”خطة المئة يوم” التي عرضها على رئيس الحكومة، أوضح ضناوي أن الهدف منها كان إظهار أن لدى المنطقة رؤية واضحة، وخطاً عملياً يمكن تنفيذه ضمن جدول زمني محدد. ولفت إلى أن الخطة ترتكز على أربع نقاط رئيسية، بدأ أولها فعلياً مع تأمين مكاتب مستقلة للمنطقة الاقتصادية على أرضها، وهو ما تحقق مع وضع حجر الأساس للمقر الجديد.
أما النقطة الثانية، بحسب ضناوي، فكانت تعيين استشاري متخصص في ملف الشراكة بين القطاعين العام والخاص للأرض الواقعة إلى جانب مرفأ طرابلس، موضحاً أنه تم تعيين شركة KPMG ودار الهندسة ومكتب محمد عالم وشركائه للمحاماة لهذه المهمة، على أن يواكبوا المنطقة لمدة ستة أشهر تقريباً في تطوير دفتر الشروط، وتقييم الدراسات السابقة التي أُنجزت عام 2023، ومواكبة مرحلة المزايدة وصولاً إلى التلزيم وتوقيع العقد.
وأضاف أن النقطة الثالثة تمثلت في إعادة إحياء العلاقة بين المنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي الدولي، عبر مشروع “مركز الابتكار والمعرفة” على أرض المعرض، وهو مشروع مشترك للمدينة، وصلت التحضيرات بشأنه إلى المراحل الأخيرة قبل توقيع الاتفاق، تمهيداً لإطلاقه قريباً جداً على مساحة تقارب 20 ألف متر مربع.
أما النقطة الرابعة، فكانت تطوير نظام الترخيص والشباك الموحد، بحيث يتمكن المستثمر من الاستفادة من الحوافز المالية والإدارية والحصول على التراخيص بسرعة من دون المرور بالإجراءات التقليدية داخل دوائر الدولة. وأكد ضناوي أن هذه الخطوة لم تكن لتتحقق لولا تعاون مرفأ طرابلس ودعمه وتمويله لهذا الملف، إضافة إلى المناقصة التي أُطلقت لتعيين استشاري خاص بهذا النظام.
وتوقف ضناوي عند دور النقابات والهيئات الاقتصادية في المدينة، مشيراً إلى أن نقابة المهندسين في طرابلس، برئاسة النقيب شوقي فتفت، وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، برئاسة توفيق دبوسي ومجلس إدارتها، قدّموا دعماً مالياً ومعنوياً للمشاريع، وأن 32 شركة خاصة ساهمت في الصندوق المخصص لهذه الغاية. واعتبر أن هذا الدعم يعكس إيماناً جدياً من الفاعليات الطرابلسية بفرص نجاح المشروع.
وعن العقبات التي واجهت الخطة، قال ضناوي إن العقبات لم تكن كبيرة حتى الآن، لكن التمويل ظل التحدي الأبرز، سواء في ملف المقر الجديد أو في ملفات أخرى ذات كلفة تشغيلية واستشارية. وأوضح أن بعض المشاريع ما كانت لتتحقق لولا مساهمات من القطاع الخاص ومن الجهات الداعمة في المدينة.
وفي ما يخص نوعية الاستثمارات المستهدفة، أوضح أن المنطقة الواقعة إلى جانب مرفأ طرابلس مخصصة أساساً للاستثمارات اللوجستية والصناعية، وخصوصاً الصناعات الخفيفة والمتوسطة، إلى جانب الصناعات الغذائية والزراعية، والخشبية، والحديدية، والألمنيوم، والبتروكيماوية، والدوائية، والتجميع الصناعي. أما المنطقة الثانية المرتبطة بمعرض رشيد كرامي، فهي مخصصة للأنشطة غير الصناعية، مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والإدارية والهندسية، و”كل ما هو غير صناعي”، على حد تعبيره. وأضاف ضناوي أن هذا التصور يجعل من المنطقة الاقتصادية مساحة متنوعة تستقطب الشركات والمؤسسات من خارج المدينة، بما يساعد على تحريك المعرض، وتشغيل الفندق، وتنشيط الحركة الاقتصادية داخل طرابلس كلها.
وفي ما يتعلق بالحوافز الاستثمارية، أوضح أن المنطقة الاقتصادية تقدم إعفاءات مالية وضريبية واسعة، تشمل عدم دفع عدد من الضرائب والرسوم، وعدم الخضوع لضريبة الشركات أو الدخل أو العمالة أو الضمان الاجتماعي، مع الإبقاء على التزامات محددة تتعلق بالتغطية الصحية وتعويضات نهاية الخدمة. واعتبر أن هذه الحوافز، إلى جانب نظام الشباك الموحد، تمنح المستثمر بيئة مناسبة ومخففة الأعباء.
وشدد ضناوي على أن التعاون مع الوزارات والمؤسسات الرسمية يبقى عنصراً أساسياً لإنجاح هذه الخطة، لافتاً إلى أن العمل يشمل وزارات الاقتصاد والصناعة والمالية والداخلية والعمل والزراعة، إضافة إلى مؤسسات المياه والكهرباء والاتصالات، فضلاً عن بلدية طرابلس، ومرفأ طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي. وأشار إلى أن العلاقة مع هذه الجهات باتت “تعاونية جداً” وتقوم على التنسيق المباشر في أكثر من ملف.
وعن التعاون مع مرفأ بيروت، قال ضناوي إن التكامل بين المرافئ اللبنانية ضروري، لأن بعض خطوط الشحن البحري لاتصل إلى مرفأ طرابلس، فيما تصل إلى بيروت، ما يجعل التنسيق بين المرفأين مصلحة مباشرة للشركات والمؤسسات العاملة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بطرابلس.
وفي ما إذا كانت هناك مشاريع واتفاقيات أخرى قيد التحضير، أوضح أن المنطقة تعمل حالياً على استكمال المشروعين الأساسيين قبل الانتقال إلى اتفاقيات إضافية، مشيراً إلى بروتوكولات تعاون مرتقبة مع نقابات ومؤسسات، بينها المركز اللبناني للتحكيم والوساطة، بهدف اعتماد آليات واضحة للتحكيم والوساطة في النزاعات التجارية.
أما على مستوى الجدول الزمني، فتوقع ضناوي أن تبدأ النتائج الفعلية بالظهور خلال الصيف المقبل، من خلال إطلاق أول مزايدة تخص مشروع “مركز الابتكار والمعرفة”، متمنياً أن يتم التزامن مع مزايدة الفندق أيضاً. ولفت إلى أن المشروع المحاذي لمرفأ طرابلس قد يشهد إطلاق مزايدته بنهاية العام الحالي، على أن يتم التلزيم خلال الفصل الأول منعام 2027 إذا سارت الأمور وفق الخطة.
وفي ما يتعلق بفرص العمل، قال ضناوي إن المنطقة المحاذية للمرفأ قد توفّر بين 3000 و4000 فرصة عمل على مراحل خلال ثلاث إلى خمس سنوات، مع فرص مباشرة وغير مباشرة في أعمال البناء والتشغيل والتوظيف. أما مشروع “مركز الابتكار والمعرفة”، فقد يوفّر بين 500 و600 وظيفة في قطاعات التكنولوجيا والإدارة والخدمات. وأكد أن هذه المشاريع لن تقتصر على تشغيل مباشر، بل ستنعكس على الحركة الاقتصادية الأوسع في طرابلس والشمال، بما يشمل الشراء والبيع والخدمات والنقل والتجارة، وصولاً إلى خلق دورة اقتصادية متكاملة داخل المدينة.
وفي رسالته إلى الشباب الطرابلسي، شدد ضناوي على أهمية ربط التعليم الجامعي والتقني باحتياجات السوق، كاشفاً عن إعداد دراسة بعنوان “skills gap analysis” لتحديد الفجوة بين المهارات المطلوبة في المنطقة الاقتصادية وما تخرجه الجامعات والمعاهد الفنية. ودعا المؤسسات التعليمية إلى الاستفادة من هذه الدراسة والعمل على مواءمة تخصصاتها مع حاجات سوق العمل. وقال إن طرابلس كانت تعاني من هجرة العقول والطاقات نحو بيروت والخارج بسبب ندرة فرص العمل، لكن هذه المعادلة بدأت تتغير، معتبراً أن المدينة باتت على أعتاب مرحلة جديدة قد تخلق فرصاً فعلية لأبنائها.
وعن تأثير تلزيم وتشغيل مطار القليعات على المنطقة الاقتصادية، أوضح ضناوي أن تشغيل جزء من المطار للشحن الجوي، وربط المطار بالمرفأ والمنطقة الاقتصادية عبر سكة الحديد، سيمنح طرابلس والشمال قيمة اقتصادية إضافية، خصوصاً في التصدير والخدمات اللوجستية وحركة المسافرين، لافتاً إلى أن قرب المطار من المدينة يمنحها أفضلية واضحة على مستوى الوقت والتنقل.
وردّاً على من يعتبر أن طرابلس سمعت كثيراً عن الخطط من دون تنفيذ، قال ضناوي إن الناس “معها حق” في هذا التساؤل، لأن ما يهمها اليوم هو الأفعال لا الأقوال، مؤكداً أن الجواب سيكون عبر البدء الفعلي بالمشاريع خلال الصيف، لأن التنفيذ هو وحده الذي يمنح إشارات إيجابية حقيقية.
وختم بالقول إن التعهّد الأهم لأهالي طرابلس هو أن ترى المدينة “مشروعاً جدياً” ينطلق خلال الأشهر المقبلة، معتبراً أن النجاح في هذه المرحلة سيكون مؤشراً على عودة طرابلس إلى موقعها الاقتصادي الطبيعي.

