
بقلم ياسمين شعبان
في مقابلة خاصة مع موقع “ديمقراطيا نيوز”، غاص القاضي محمد مكاوي، رئيس هيئة رعاية الحج والعمرة ومحافظ جبل لبنان، في كواليس تحضيرات موسم الحج لعام 2026. واستعرض المحافظ الخطط الاستباقية والأرقام القياسية غير المسبوقة لطلبات التسجيل، وتأثيرات الظروف الميدانية الراهنة على لوائح المرشحين، وصولاً إلى تسعيرة الحملات وإقلاع آخر الطائرات من العاصمة بيروت نحو الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية.
استراتيجية الاستباق الزمني وتحصين الموسم الحالي:
أوضح القاضي مكاوي أن الهيئة وضعت هذا العام خطة طوارئ مبكرة جداً لإدارة الموسم، مستفيدة من التقييم الشامل لتجربة العام الماضي الصعبة. ففي الموسم المنصرم، تزامنت الترتيبات الأخيرة لإطلاق الحج مع بداية الأحداث والأوضاع الراهنة، مما خلق إرباكاً شديداً في اللوائح والمهل، وضغط الهيئة في أوقات قياسية حرجة كادت أن تطيح بجهود أشهر. وتفادياً لتكرار هذا السيناريو، انطلقت ورشة العمل اللبنانية للعام الحالي مبكراً جداً، وتم إنجاز النسبة الأكبر من المعاملات الإدارية والملفات الداخلية قبل المواعيد المعتادة بأسابيع، مما وفّر شبكة أمان حمت الموسم الحالي من أي تأثيرات سلبية ناتجة عن التطورات الحاصلة في البلاد.
تسهيلات إلكترونية وأعداد قياسيّة للمتقدمين:
وعلى الصعيد الفني، أحدثت الهيئة قفزة نوعية في آليات التقديم هذا العام عبر تطوير شامل لمنظومتها البرمجية والمعلوماتية لتصبح متوافقة ومتكاملة بشكل كامل مع الأنظمة المتقدمة التي تعتمدها وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية. وتحولت المعاملات بموجب هذا التحديث إلى رقمية بنسبة 100% (أونلاين)، بدءاً من تقديم الطلبات، مروراً برفع المستندات, وصولاً إلى المراجعات وتلبية المتطلبات الإدارية، مما ألغى الحاجة تماماً للازدحام أو الحضور الشخصي في الكثير من المراحل، وخفف الأعباء عن حملات الحج والمواطنين المقيمين في مختلف المناطق والمغتربين في الخارج.
هذه التسهيلات التقنية فتحت الباب على مصراعيه وأدت إلى طفرة غير مسبوقة في عدد المتقدمين تجاوزت ضعف الحصة الرسمية الثابتة الممنوحة للبنان، والتي تبلغ في مجموعها 7500 تأشيرة، تشمل 6000 للبنانيين مقسمة مناصفة بين السنة والشيعة، و1500 للاجئين الفلسطينيين في لبنان. وتجلت هذه الطفرة الرقمية بوضوح في حجم الطلبات المسجلة إلكترونياً، حيث استقبلت المنصة قرابة 6200 طلب من المتقدمين من الطائفة السنية للتنافس على 3000 مقعد محدد، وقرابة 6500 طلب من المتقدمين من الطائفة الشيعية للتنافس على 3000 مقعد أيضاً.
المهل التنظيمية وآلية فرز الطلبات:
وفي رده على التساؤلات المثارة حول لوائح التوزيع، نفى محافظ جبل لبنان القاضي محمد مكاوي بشكل قاطع وجود أي نوع من العرقلة الإدارية أو التنظيمية التي طالت حجاج الطائفة الشيعية أو أبناء القرى الجنوبية. وبيّن أن الهيئة تعمل وفق أجندة زمنية صارمة جداً ومرتبطة بمهل نهائية (Deadlines) ومحددة لكل مرحلة من قبل الوزارة في المملكة، وبناءً على هذه الجدولة، تم فرز الطلبات واختيار القوائم وفق الأولويات الشرعية والنظامية المعتمدة التي تضع السن وعدم الحج المسبق في مقدمة معاييرها.
تداعيات الظروف الميدانية:
وأشار المكاوي بأسف إلى أن أسماء الحجاج المقبولين تم اختيارها واعتمادها رسمياً قبل اندلاع الأحداث الأخيرة وضمن المهل النظامية، ولكن مع تصاعد الأوضاع، شهدت البلاد حركة نزوح واسعة، وفُقد وفارق الحياة عدد من المواطنين الذين كانت أسماؤهم مدرجة بالفعل في القوائم النهائية للحج نتيجة لتلك الظروف القسرية. ونظراً لإغلاق النظام الإلكتروني المرتبط بالمسار الإلكتروني الموحد ومرور المهل المحددة، تعذّر على الهيئة قانوناً وفنياً إجراء أي عمليات تبديل أو إحلال لأسماء جديدة مكان أولئك الذين نزحوا أو رحلوا، وهو واقع استثنائي فرضته الأوضاع الحالية.
معايير الفرز العادل:
ونظراً للفارق الكبير بين حجم الطلبات والكوتا المتاحة، أوضح القاضي مكاوي أن الهيئة اعتمدت هذا العام معايير فرز بالغة الدقة، حيث ألغي تماماً المفهوم التقليدي لـ “القرعة” لصالح آلية “استحقاق الأولوية المطلقة” لمن لم يؤدِّ الفريضة طوال حياته مع تطبيق معيار السن بشكل تنازلي. ونتيجة لكثافة الطلبات الشديدة، توقفت قوائم القبول تلقائياً عند مواليد عام 1973 كحد أقصى للسن، مما يعني أن المتقدمين الذين يقل عمرهم عن هذا السقف (أي من مواليد 1974 وما فوق) لم يتمكنوا من تحصيل مقعد في هذا الموسم المزدحم.
الحجج الملكية وأسعار الحملات:
وفي سياق توضيح الصلاحيات، شدد رئيس الهيئة على أن “الحجج الملكية” (تأشيرات المجاملة) مستثناة بالكامل من هذه المنظومة والمعايير؛ لكونها تأتي بناءً على دعوات وتكريم مباشر من سفارة المملكة العربية السعودية في بيروت، ولا تخضع إدارياً أو تنظيمياً لصلاحيات أو لوائح هيئة رعاية الحج. وحول الشق المالي وتكلفة الرحلات، أشار إلى أن الدولة اللبنانية أو الهيئة لا تتدخل إطلاقاً في فرض أو تسعير حملات الحج، بل تترك الأمر للمنافسة بين الشركات، وقد تراوح متوسط أسعار الحملات لهذا الموسم من 6000 دولار أمريكي وصعوداً، حيث يخضع الفارق مباشرة لطبيعة الخدمات المقدمة وتصنيف السكن الفندقي وقربه الجغرافي من الحرم المكي الشريف.
الاختتام المغادرة وإسدال الستار على الموسم الإداري:
وفي الختام، أعلن القاضي مكاوي عن اختتام الأعمال اللوجستية والميدانية للهيئة في بيروت بنجاح تام، حيث أقلعت يوم الخميس الفائت آخر رحلة طيران مخصصة للحجاج من مدرج مطار رفيق الحريري الدولي متوجهة إلى الأراضي المقدسة، لتكتمل بذلك مغادرة كافة الأفواج اللبنانية. واعتبر المحافظ أن موسم الحج لعام 2026 شكل محطة استثنائية نجحت فيها الهيئة في تحويل التحديات والظروف الصعبة إلى دافع للتطوير والتميز والعبور بالموسم إلى بر الأمان، سائلاً الله تعالى أن تحمل هذه الرحلة المباركة الطمأنينة والسلام للحجاج وللبنان، وأن تكون مسيرتهم ميسرة ومباركة.
