المنهج الرصين بين التهويل والتضليل بالبعد الإنساني والسياسي: لبنان نموذجاً

بقلم نزار شاكر

لبنان خلال العقد الأخير تحول إلى ساحة مكثفة لصراع الروايات، كل أزمة فيه تُروى بطريقتين متطرفتين: تهويل يجعلها نهاية البلد، وتضليل يجعلها لا شيء، بينهما ضاع الفهم العام، وضاعت معه القدرة على الفعل، لبنان نموذج حي لكيف يصبح البعد الإنساني والسياسي رهينة لهذين الخطابين.

التهويل: عندما تصبح الأزمة هوية
التهويل في الحالة اللبنانية لم يكن مجرد مبالغة إعلامية، بل تحول إلى لغة يومية، منذ 2019، كل انهيار مالي، كل انفجار، كل اشتباك، قُدِّم كدليل على “النهاية الحتمية”، آلية العمل واضحة: عزل الحدث، نزعه من سياقه الإقليمي والداخلي، ثم تضخيمه حتى يصبح مشهداً كارثياً مطلقاً.
❖ إنسانياً: هذا الخطاب ضرب الشعور بالأمان لدى اللبناني، حيث إن الهجرة لم تعد خياراً بل ضرورة، والاستثمار توقف ليس لأن الأرقام تمنعه فقط، بل لأن الصورة الذهنية أصبحت “لا شيء ينفع هنا”، التهويل هنا ينتج يأساً جماعياً يشلّ المبادرة الفردية قبل أن يشلّ السياسة.
❖ سياسياً: استخدم التهويل لتعبئة الشارع وتبرير المواقف القصوى، كل طرف حوّل أزمته الخاصة إلى أزمة وجودية للبلد كله، النتيجة أن أي حل وسط أصبح يبدو خيانة، وأي نقاش تفصيلي أصبح “تجميلاً للواقع”، التهويل يربح المعركة الإعلامية قصيراً، لكنه يقتل المساحة الوسطى التي يُصنع فيها الحل.

التضليل: عندما يصبح الإنكار سياسة
في المقابل، عمل خطاب التضليل على تفكيك الحقيقة من الداخل، بدل إنكار الانهيار كلياً، جرى تجزئته: “الأزمة مصرفية فقط”، “الوضع تحت السيطرة”، “المشكلة تقنية”، السياق الذي يربط بين المالية العامة، السياسة النقدية، والصراع الإقليمي كان يُحذف عمداً.
 ❖ إنسانياً: التضليل منح راحة مؤقتة، الناس تمسكوا بأي رواية تقول إن الأمور ستعود كما كانت، لأن مواجهة الحقيقة تعني إعادة ترتيب الحياة من الصفر، لذلك انتشرت روايات “الوفرة قادمة” و”المساعدات ستحل كل شيء” رغم أن الوقائع كانت تقول العكس.
❖ سياسياً: التضليل كان أداة إدارة للكلفة، تأخير الإصلاحات، تأجيل الانتخابات، وتفكيك الضغط الخارجي كان يتم عبر سيل من الروايات المتضاربة، الثمن ظهر لاحقاً: تآكل الطبقة الوسطى، انهيار الخدمات، وخسارة لبنان لأي رصيد تفاوضي خارجي، عندما وصل الواقع، كانت كلفة التصحيح أعلى بعشر مرات.

لبنان: درس في غياب المنهج الرصين
المنهج الرصين لا يسأل “هل لبنان منهار أم بخير؟”، يسأل: “ما الذي انهار فعلاً؟ من تأثر؟ ما حجم التأثير؟ من يستفيد من الوضع القائم؟ من يستثمره ومن يدفع الثمن؟ وما الذي يمكن فعله الآن؟”.
❖ بالبعد الإنساني: الرصانة تعني أن ترى أن انهيار الليرة لم يؤثر على الجميع بنفس الدرجة، أن ترى أن هناك قطاعات انكمشت وأخرى تحوّرت، أن ترى أن الهجرة ليست رقما مجرداً، بل قصص عائلات تفككت ومهارات خرجت ولا تعود.
❖ بالبعد السياسي: الرصانة تعني أن تفصل بين الحدث وبين استثماره، أن تفهم أن خطاب “الحصار الخارجي” يستخدم أحياناً لإخفاء فشل داخلي، وأن خطاب “الفساد وحده” يستخدم أحياناً لتجاهل الضغوط الإقليمية، المنهج الرصين لا ينفي أياً منهما، بل يضع كل واحد في حجمه.
لبنان دفع ثمن غياب هذا المنهج، كل مرة طغى التهويل، دخل البلد في حالة شلل، وكل مرة طغى التضليل، دخل في حالة إنكار حتى أصبحت المشكلة غير قابلة للحل.

كيف يمكن استعادة الرصانة في الخطاب اللبناني؟

  1. فصل الواقعة عن المعركة: أن تتحدث عن سعر الصرف كأرقام وآليات، قبل أن تجعله سلاحاً في معركة سياسية.
  2. إعادة السياق: ربط الداخل اللبناني بما يجري في سوريا، إيران، الخليج، والمفاوضات الدولية، لا شيء يحدث في لبنان بمعزل عن محيطه.
  3. تتبع المصلحة: اسأل من يستفيد من تصوير الأزمة على أنها نهاية، ومن يستفيد من تصويرها على أنها عابرة، السؤال لا يلغي الواقع، لكنه يكشف توظيفه.
  4. احتمال التعقيد: القبول بأن المشكلة مركبة، وأن الحل سيكون تدريجياً وغير مثالي، الرصانة مزعجة لأنها لا تعطي إجابة جاهزة، لكنها الوحيدة التي تعطي طريقاً قابلاً للمشي.

خاتمة: الرصانة شرط البقاء
لبنان لا يحتاج إلى خطاب جديد فقط، بل إلى منهج جديد في فهم نفسه، بين التهويل الذي يشلّ والتضليل الذي يخدّر، ضاعت سنوات كان يمكن فيها إدارة الانهيار بدل انتظار الارتطام.
المنهج الرصين لا يعد بالمعجزات، هو يعد بشيء أبسط وأصعب: أن ترى الواقع كما هو، لا كما يريده خطابك أن يكون، ومن هذا المكان فقط يبدأ الفعل السياسي والإنساني الممكن.
بدون هذا المنهج، سيبقى لبنان يتأرجح بين نوبات ذعر ونوبات إنكار، بينما المشكلة الحقيقية تتعمق في الخلفية بصمت.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top