
بقلم خالد صالح
لا عجبَ في أنَّ مستقبلَنا صار مبنيًّا للمجهول، ولا محلَّ لنا من الإعراب …
في زمن الردّة الفكرية، لم يعد الخطر يقتصر على السياسيّ الجاهل، بل انتقل إلى “المثقف الانتهازي” الذي باع “قلمه” و”صوته” ليكون خادمًا في بلاط الأسياد والمطامح والمصالح الشخصية ..
آن الأوان كي نكشف وبـ “مرارة قاسية” كيف تحوّل من يُفترض بهم أن يكونوا “صمام أمان” المجتمع وضميره الحي، إلى مجرد “كتبة” مأجورين، يُطبلون ويزمّرون لهذا أو ذاك، مجرّد أبواق دعائية تُبرر السياسات العقيمة مقابل حفنة من الدولارات أو المزيد من “البروباغندا” وارتفاع في مستوى “الترند” و المتابعة ..
لقد آن الأوان لرفع الأقنعة!!.. لا مكان اليوم لمن يقتات على جراح الوطن من “أشباه المثقفين”، الثقافة إما أن تكون فعلاً تحرريًا وقولًا للحق في وجه الظلم والفساد، أو هي ليست إلا وجهًا آخر للاستبداد.
في زمن كنا نسمع فيه صوت المثقف يشرح، ينور، ويفكك تعقيدات الواقع، أصبحنا اليوم نعيش صمتًا مريبًا، صمتٌ ترك المواطن البسيط يتيه بين فوضى الخطاب، وتناقض المواقف، وضبابية الرؤية، لهذا فإن الخطاب الشعبوي استحكم في مفاصل حياتنا وقادها نحو هاوية سحيقة، بينما “المثقف” الحقيقي تم إسكاته عنوةً، فاختار الصمت على المواجهة ..
نعيش اليوم في منطقة “الشرق الأوسط” مرحلة دقيقة للغاية، إذ لايمكن فهم صعود الخطابات الشعبوية والدينية والسياسية الحادة، من دون العودة إلى نقطة مركزية وجوهرية وأساسية، وغالبًا ما يتمّ تجاهلها أو تجاوزها نظرًا لحراجتها، وهي أن “الإحباط” لم يعد “حالة فردية”، بل تحوّل إلى بيئة عامة، تُصنع بداخلها المواقف والخيارات ..
الإنسان في هذه المنطقة يعيش بين ضغوط اقتصادية هائلة ومزمنة وإنسداد الأفق السياسي أمامه، بالإضافة إلى الشعور المتراكم بأن كل مايراه من حوله لايفتح له أي آفاق حقيقية جديدة .. هنا تحديدًا تدخل السياسة، السياسة ليس بوصفها “إدارة للمصالح” بل بوصفها “إدارة للمشاعر” .. لهذا فإن مانراه في أكثر من ساحة، من لبنان إلى العراق، ومن غزّة إلى أجزاء من الخليج العربي، هو توظيف مباشر لهذا “الإحباط”، عبر خطاب يخلط بين الدين والتاريخ والسياسة، وهو خليط خطير جدًّا، هذا الخطاب لايطلب من الناس أن تتفهّم الواقع، بالعكس، الخطورة أنه يجعلها تستبدله ويطلب منها استبدال الواقع، لايطلب منها أن تسأل، بل يطلب منها أن تُصدّق ..
في هذا السياق تتحوّل الأخطاء التاريخية إلى أدوات تعبئة، وتقوم باختصار قرون كاملة من التجربة البشرية، في شعارات جاهزة و “غب الطلب”، حيث يعاد تقديم الماضي كـ “حالة متاحة” يمكن استعادتها بقرار سياسي أو مواجهة عسكرية أو إصطفاف أيديولوجي معقّد ومغلق تمامًا … هنا يصبح من السهل أن تقنع “شاب محبط” أن الحلّ في مشروع عابر للحدود، أو في صراع مفتوح، أو في فكرة تودي به إلى الخلاص، بينما يتمّ تجاهل التعقيد الحقيقي للدول والمجتمعات، وما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط، ليس صراعًا على النفوذ أو على المصالح بل صراع على “وعي” الناس أنفسهم .
إيران مثلًا .. لم تبنِ حضورها في بعض الساحات فقط بالقوة الصلبة، بل عبر “سردية” كاملة، تستثمر في المظلومية والتاريخ والهوية، والعدو الإسرائيلي بدوره يُدير خطاب أمني وجودي يعيد إنتاج “الخوف” كقاعدة دائمة ولهذا لايزال يسمي قواته العسكرية بـ “جيش الدفاع” لإظهار الخطر الدائم من حوله الأمر الذي يتطلّب حمايته والدفاع عنه .بينما في المقابل نعاني في لبنان وفي بعض الدول العربية من “فراغ سردي” حقيقي يُترك فيه المجال مفتوحًا لـ “خطابات” جاهزة تأتي من الخارج أو من الهامش، والحقيقة أن كلّ هذا يحدث في “بيئة منهكة”، وبالتالي فإن الاستجابة الطبيعية لاتكون بالمقاومة النقدية بل بـ “الانجراف” التام، ومع الوقت يتحوّل “الوهم” إلى “قناعة”، والقناعة تتحوّل بالضرورة إلى سلوك سياسي واجتماعي وربما يجنح نحو العنف ..
الحقيقة الأكثر إزعاجًا أنّ أيّ محاولة للخروج من هذه الدائرة “الطبشورية” تبدأ من مكان غير مريح، وهو الاعتراف أن جزءًا كبيرًا مما نؤمن به قد يكون مبنيًا على أوهام مريحة أكثر منه على “فهم حقيقي”، وهذا الفهم تحديدًا ما لايريده “الخطاب الشعبوي” لأنه يقوم أساسًا على تثبيت الأوهام لا تفكيكها ..
هنا في هذا الوطن الذي نعيش فيه، المعضلة لم تعد في “النظام” أو في التعقيدات والصراعات، بل في الطريقة التي يُعاد فيها تشكيل “وعي الناس” تحت ضغط “الاحباط”، وإذا لم يتم كسر هذه الحلقة سوف نظلّ ننتقل من أزمة إلى أخرى بطريقة “توالدية” وبالأدوات نفسها والخطابات عينها، مع فارق وحيد فقط، أن الكلفة في كل مرة ستكون “أعلى” ..
