
بقلم خالد صالح
كلنا سمعنا عن “روبن هود”، لم يكن هذا الرجل ملاكًا خرج من الغابة فجأة ويحمل بيديه “ميزان العدالة”، ولم يكن قدّيسًا شعبيًا استيقظ صباحًا وقرر تصحيح اختلال العالم بـ “القوس والنشّاب”، الأسطورة هي من صنعت هذه الصورة، فأخذت رجلًا “قاطع طريق” و “لص” يمتلك مهارات هائلة، خارج على القانون، وقامت بغسله من ماء الحكاية وعلّقت على كتفيه “عباءة البطولة”، ثم قالت للناس هذا هو الحاكم العادل الذي لم تنجبه المحاكم ..
في الرواية المشهورة والتي أنتجت في الكثير من الأفلام والمسلسلات كان “روبن هود” يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء، وهذه عبارة جميلة وسهلة وقد تصلح للأطفال وتصلح للسينما، لكنها ومثل كل العبارات والشعارات الجميلة تُخفي خلفها سؤالًا مزعجًا جدّا: هل كان يعطي الفقراء لأنه يُحبّهم أم لأنه كان بحاجة إلى حمايتهم وتغطيتهم له؟ ..
بعض الروايات الأقل رومانسية عن قصة الأسطورة “روبن هود” القريبة من الحقيقة بأنه كان يمنح الفقراء جزءًا مما يسرقه، ليس كـ “فعل ملائكي” بل نوع من “شراء الصمت”، رشوة اجتماعية ناعمة كي لا يقوموا بتسليمه إلى السلطة وتظل الغابة ملكه وله ولا تنقلب عليه، المسألة الأهم ليست في براءة “روبن هود” أو إدانته، بل في السؤال الأهم والأكبر: لماذا يحتاج الناس أن يجعلوا من “لص” بطلًا، ولماذا لم يُشاهدوا فيه صورة “المجرم”، ولماذا صارت “الغابة” في المنظور الشعبي أعدل من القضاء والقانون؟..
الجواب بسيط ومؤلم للغاية، لأن الحكم عندما يفقد عدالته، يمنح الخارجين عليه فرصة أخلاقية لا يستحقونها دائمًا، “روبن هود” هذا لم يكبر لأنه كان نقيًا، بل لأن النظام الذي واجهه كان نظامًا فاسدًا ومخترقًا في العمق، لم يُصبح أسطورة لأن قلبه أبيض بل لأن قلب السلطة كان أسودًا في عيون الناس، السلطة التي يمثلها السياسي الجشع والمسؤول الظالم والحاكم البعيد عن أوجاع الناس، كل هؤلاء صنعوا “روبن هود” أكثر مما هو صنع نفسه .. الظلم لا يُنتج العدالة بالضرورة لكنه يُنتج الحاجة إلى بطل حتى لو كان بطلًا مزيفًا ووهميًا ..
هنا يمكننا أن نفهم شيئًا من حالتنا اللبنانية، لأننا مع كل أزمة تنتهي بـ “خيبة” ومع كل وعد كبير ينكسر عند أول امتحان حقيقي، نبدأ بالبحث عن “روبن هود” جديد ليس كما هو فعليًا بل كما نريد أن نتخيّله، نُلبسه مالا يملكه، نصفه باخلاقيات لا يحملها، نرى فيه انتقامًا من الظلم أكثر مما نرى حقيقته لأن المجتمعات المتعبة والمرهقة جدًا لا تبحث دائمًا عن الحقيقة، بل تبحث عن صورة تجعلها مطمئنة أنه يوجد أحدٌ ما سوف بنتقم لها من عالم السلطة الذي لا ينصفها ..
حزب الله يتقمّص روبن هود
في مجتمعنا اللبناني ظهر “حزب الله” متقمصًا شخصية “روبن هود” بأشكال كثيرة، مرة في هيئة “زعيم شعبوي” يوزّع الغضب كأنه عدالة، ومرة في هيئة “خارج على الدولة” ويقولون عنه “ابن البيئة”، ومرة في هيئة صاحب “خطاب صاخب” يعد الفقراء والمظلومين بأنه سيأخذ لهم حقوقهم من السلطة الحاكمة، لكنه في المحصلة ليس أكثر من “قاطع طريق” سياسي أو اجتماعي أو ميليشياوي، أو بالأحرى “لص” جعلته الخيبات المتكررة التي عاشها لبنان كبيرًا وكبيرًا جدا، وهو ليس أكثر من خارج على القانون، ساعدنا كلنا على تحويله إلى أسطورة لأننا جميعنا تعبنا من انتظار العدالة الحقيقية الغائبة ..
هنا فعليًا مكمن الخطورة في الحكاية، عندما تغيب العدالة، العدالة الحقيقية الرسمية، يبدأ الناس بالبحث عن عدالة بديلة “عدالة الغابة” و “عدالة الشارع”، فعندما سقطت الدولة في براثن الفساد والانقسامات خرج “حزب الله” مستثمرًا أوجاع الناس، ليؤسس “كينونته” الخاصة، عدالة الزعيم الذي يهيمن ويسيطر، ويأخذ من هذا كي يعطي ذاك، عدالة الذي يبتز هذا كي يحمي ذاك، نظام “الخوّات” قد يصبح عدالة، وعندما يصل الناس إلى هذه المرحلة لا يعود السؤال هل “روبن هود” لصًا بل يصبح السؤال لماذ صار “اللص” أكثر قبولا من القاضي نفسه ..
في مجتمعنا اللبناني يوجد احتمال لإنتاج “روبن هود” جديدًا، ليس بالضرورة أن يحمل “قوسًا وسهمًا” أو أن يحمل “خطابًا شعبويًا” أو “كاميرا” أو “منصّة إعلامية” أو جماعة غاضبة ترفع شعراء الفقراء أو التحدث باسم المظلومين، لكن يبدو في الصورة العامه كأنّه تصحيح للتاريخ، وأحيانا لا يقوم بشيء سوى الاستثمار في الألم العام لمصلحته الخاصة ..
الدرس من “روبن هود – حزب الله” ليس أن “البلطجة” قد تصبح نبيلة حين ترفع شعار العدالة، وليس أيضًا أن الخارج على القانون يُصبح بطلًا إذا هتف له الفقراء والمظلومون مثلا، الدرس الحقيقي بأن غياب الدولة وعدالتها الحقيقية عندما يمتد لفترة زمنية طويلة يشوّه حس الناس بالحق، بحيث يصبحوا على استعداد لتجميل “القبح” وتبرير الخطأ، والأخطر تصديق الأسطورة، وهذا ما فعله “حزب الله” على مدى عقود ولايزال يفعله ..
“حزب الله” مارس هوايته في اللعب على احتياجات مجتمعه ليقلبه على الدولة بمؤسساتها، فصارت بيئته جاهزة كي تصنع من خيباتها بطلًا رغم أنه “بطل وهمي” كي لا تعترف بأن العدالة غائبة، وأخطر ما تفعله السلطة الغائبة بأنها لاتصنع معارضة فقط بل تصنع أوهامًا وتصنع أبطالا من لاشيء، وتستغرب لاحقًا عندما يصدق الناس هذه الأوهام ..
بين القصر والغابة، بين القانون والانتقام، بين الأمن والفلتان، تبقى العدالة هي الفارق الوحيد، فإذا حضرت العدالة، عاد اللص لصًا، وإذا غابت صار اللص حكاية شعبية، وربما بطلًا على ملصقات عملاقة تتصدر المشهد على الطرقات ..
