لماذا المفتي الآن؟ أي مشهدٍ نريد!”تقهقر” أم “مواجهة”؟

بقلم نزار شاكر

منذ أن ارتفعت الأصوات حول “دار الفتوى” ومقام مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، عاد السؤال نفسه يتكرر: لماذا الآن؟ هل ما يجري تقهقرٌ لدور المؤسسة الدينية، أم محاولةٌ متعمدةٌ لإعلان حربٍ على رمزيتها الجامعة؟

المقام الجامع لا الضامن للخلاف

دار الفتوى لم تكن يوماً منبراً للانقسام، بل بقيت العنوان الأبرز لجمع السنة في لبنان، حيث كان مقام المفتي تاريخياً هو الضامن عند غياب الدولة، والمرجعية عند اشتداد الأزمات. لذلك فإن أي استهداف لهذا المقام لا يصيب شخصاً بقدر ما يصيب فكرة “المرجعية الوطنية” ذاتها.
المفتي دريان لم يغب عن المشهد الوطني: حضر في دعوات الحوار، وشدّد على العيش المشترك، ورفض خطاب التخوين، وحذّر من تحويل السنة إلى وقودٍ لأي صراعٍ إقليمي، حضوره كان دائماً بمنطق “لا نغيب عن الوطن حتى لا يغيب الوطن عنا”.

لماذا الآن؟ ثلاث قراءات

الأولى: فراغ الدولة
كلما تراجعت مؤسسات الدولة وتعمّق الشلل السياسي، ارتفعت الحاجة إلى مرجعيةٍ جامعة. واستهداف دار الفتوى الآن يأتي غالباً في لحظات هذا الفراغ، وكمحاولةٍ لملء الفراغ بمرجعياتٍ فئويةٍ ضيقة، أو لإلغاء فكرة المرجعية أصلاً.

الثانية: إعادة هندسة التمثيل السني
بعد سنوات من تفكّك التمثيل السياسي السني، هناك من يرى أن تكسير رمزية “دار الفتوى” هو الطريق الأقصر لإنتاج تمثيلٍ بديلٍ، لا يمر عبر المؤسسة الدينية التقليدية، وكأن المطلوب جعل الدين بلا صوتٍ.

الثالثة: مناخ إقليمي مضطرب
في زمن الاستقطاب المذهبي والإقليمي، يصبح استهداف رموز الاعتدال رسالة مزدوجة: للداخل، بأن “الوسط” غير مرغوبٍ فيه؛ وللخارج، بأن لبنان لا يملك مرجعية سنية جامعة يمكن التفاوض معها أو التعويل عليها.

هل هو تقهقر أم إعلان حرب؟

لو كان تقهقراً، لكان سببه ضعف أداء المؤسسة وتراجع دورها، لكن الواقع يقول إن “دار الفتوى” ما زالت تحافظ على خطابها المعتدل، وعلى مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، وعلى رفض تحويل السنة إلى طرفٍ في أي محور. كما أن أي ترهل في أداء المؤسسة ما هو إلا انسجاماً مع تهاوي الدولة، ومحاولة السياسة للتدخل في دهاليسها لتتوافق مع مصالحها الضيقة، ولا يعطي ذلك مبرراً لأحد أن يطلق سهامه القاتلة بدل المعالجة المتأنية بما يحفظ دورها الجامع. لذلك فالأقرب أنه “إعلان حربٍ ناعمة” على فكرة الاعتدال نفسها، حربٌ لا تُخاض بالرصاص، بل بالتشكيك، وبالسخرية، وبالادعاء أن “المفتي غائب” رغم كل مواقفه، وأن “المؤسسة عاجزة” رغم كل مبادراتها، الهدف ليس إسقاط شخصٍ، بل إسقاط المعنى: معنى المرجعية الجامعة الضامنة.

استقلالية القرار والمؤسسة الدينية

لبنان قائم على مبدأ تعدد الطوائف واستقلالية مؤسساتها الدينية في شؤونها، فالمفتي ليس موظفاً عند أحد، ولا دار الفتوى فرعاً من فروع أي قوى سياسية، استقلالية القرار الديني ضرورة وطنية، لأنها الضمانة الوحيدة لأن تبقى الطائفة جزءاً من الدولة لا أداة بيدها.
حين تُمسّ هذه الاستقلالية، لا يخسر السنة فقط، بل يخسر لبنان نموذجه في تعددية تحميها المرجعيات الوطنية.

استهداف عابر للطوائف: مخطط تفكيك المرجعيات الجامعة

إن قراءة المشهد اللبناني خلال الأشهر الماضية توحي بأننا أمام مخطط ممنهج تنفذه قوى الأمر الواقع، غايته تطويق المؤسسات والمرجعيات الدينية التي شكّلت تاريخياً مساحات للتلاقي وضبط الصراع، وتحويلها إلى مجرد صدى لخيارات الميدان والمحاور.رغم اختلاف المواقف والسياقات، فإن نمط الاستهداف واحد:

في بكركي: تُرجم بحملات تخوين رقمية، ودعوى قضائية مستغربة ضد البطريرك الراعي، لمجرد تمسكه بأن لا ينفرد طرف بقرار الحرب والسلم، ومطالبته بحماية السيادة اللبنانية.

وفي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: جرى تضييق الخناق عليه، وإخراجه قسراً من دوره التقليدي كقناة حوار بين المكونات، مع استهداف كل صوت شيعي مستقل يرفض الارتهان لمغامرات المحور.

وفي مشيخة عقل الموحدين الدروز: تُمارَس ضغوط متصاعدة، وتُفتح ملفات إدارية وأوقافية، لإشغال المشيخة عن دورها في حماية السلم الأهلي بالجبل، ولضرب مبدأ “الحياد الإيجابي” الذي مثّل صيغة إدارة ذاتية للطائفة.

إن هذا الحصار والترهيب المفروض على المرجعيات الدينية يرمي إلى فرض “فيتو” قسري على أي تواصل أو تلاقٍ بينها، وفرملة أي مبادرة جامعة قد تصدر وثيقة توافقية تسحب الذرائع من تجار الطوائف والسلاح. فهل تدرك هذه المؤسسات أن بقاء دورها الوظيفي يبدأ من كسر هذا الفيتو؟

السؤال ليس “لماذا المفتي الآن”، بل “لماذا استهداف فكرة الجامع الآن؟”

إذا كان المطلوب وطناً متماسكاً، فالمطلوب تحصين رموزه الجامعة لا هدمها. وإذا كان المطلوب دولةً، فالمطلوب تقوية مؤسساتها لا تكسير المؤسسات الموازية التي كانت تسندها وقت العجز. المفتي الآن ليس تقهقراً، بل تذكيراً بأن غياب الدولة لا يعني غياب الضمير الوطني، ومن يعتبر هذا “إعلان حرب”، فليعلم أن الخاسر الوحيد سيكون لبنان نفسه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top