*الإتفاق الأميركي الإيراني: انتصار دبلوماسي أم هدنة مؤقتة؟


بقلم ندى جوني
 
بعد ساعات طويلة من التهديدات الأميركية المتبادلة مع طهران، والتوقعات التي رجّحت اتساع رقعة المواجهة العسكرية واندلاع جولة جديدة من التصعيد في المنطقة، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأوساط السياسية بإعلانه، يوم الأحد 14 حزيران 2026، التوصل إلى اتفاق أولي مع إيران يفتح الباب أمام استكمال المفاوضات خلال الشهرين المقبلين سعياً للوصول إلى اتفاق نهائي. غير أن الإعلان الذي قُدّم بوصفه اختراقاً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، أثار في المقابل سلسلة من التساؤلات حول مضمونه الفعلي وقدرته على الصمود. فحتى الآن، لا تبدو بنود الاتفاق واضحة أو ملزمة بصورة كافية، فيما تقتصر المعطيات المتوافرة على تفاهمات عامة ونوايا سياسية لا ترقى إلى مستوى التسويات النهائية، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، والضمانات الأمنية التي تطالب بها إسرائيل. وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كان الرئيس ترامب قد نجح فعلاً في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنها منذ بداية المواجهة مع إيران، أم أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز وقفاً مؤقتاً للتصعيد بانتظار جولات تفاوضية جديدة قد تعيد فتح الملفات الخلافية من جديد. كما تطرح الجبهة اللبنانية بدورها علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الاتفاق، ولا سيما في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان واحتمال بقاء المواجهة مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله.
 
سمير سكاف: الاتفاق الأميركي – الإيراني لا يؤسس لسلام بل يؤجل حرباً جديدة… ولبنان سيبقى إحدى ساحات المواجهة
 
في تقييمه للإتفاق بين ايران والولايات المتحدة الأميركية، يرفض سكاف اعتبار ما جرى اتفاقاً بالمعنى السياسي الكامل، معتبراً أنه أقرب إلى هدنة مؤقتة أو وقف لإطلاق النار منه إلى تسوية مستدامة. ويقول إن الأجواء التفاؤلية السائدة لا تعكس حقيقة ما تحقق على الأرض، لأن الأطراف المعنية لم تصل إلى الأهداف الأساسية التي خاضت الحرب من أجلها. كما ويؤكد أن الاتفاق الحالي لا يمكن مقارنته بالاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، إذ تضمن الأخير بنوداً واضحة وآليات رقابة والتزامات محددة، بينما يقوم الاتفاق الحالي، بحسب وصفه، على تعهدات ونوايا عامة غير مكتوبة، من دون وجود نصوص ملزمة أو ضمانات فعلية تجبر إيران على تنفيذ التزامات محددة في الملف النووي.

وانطلاقاً من ذلك، يشكك سكاف في قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على اعتبار ما جرى انتصاراً سياسياً أو استراتيجياً، مشيراً إلى أن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية، وفي مقدمتها معالجة الملف النووي الإيراني بصورة حاسمة أو توفير ضمانات دائمة لأمن إسرائيل. كما يلفت إلى أن الحديث عن فتح مضيق هرمز لا يشكل إنجازاً بحد ذاته، لأن المضيق لم يكن مغلقاً أصلاً حتى يقال إن الحرب نجحت في إعادة فتحه.

ويضيف أن السؤال الجوهري يبقى مرتبطاً بالبرنامج النووي الإيراني، إذ لا تزال القضايا الأساسية عالقة، وفي مقدمها مصير اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة والالتزام. ويشدد على أن غياب اتفاق واضح حول هذه الملفات يترك الباب مفتوحاً أمام تجدد المواجهة العسكرية، معتبراً أن إسرائيل قد تلجأ مجدداً إلى الخيار العسكري إذا لم تحصل على الضمانات التي تطالب بها. ويستند سكاف في تشاؤمه إلى مسار طويل من المفاوضات السابقة التي لم تفضِ إلى نتائج حاسمة، سواء خلال الجولات الثماني من المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي سبقت الحرب، أو خلال اللقاءات التي جمعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالدول الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا. ويذكّر بأن هذه المسارات انتهت جميعها إلى طريق مسدود، وصولاً إلى العودة لطرح العقوبات واللجوء إلى المؤسسات الدولية. ويعتبر أن ما عجزت الولايات المتحدة عن انتزاعه من إيران عبر الحرب، لن تحصل عليه بسهولة عبر الحوار السياسي، وهو ما يجعل الاتفاق الحالي هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار جدي.

أما على المستوى اللبناني، فيرى سكاف أن أحد أبرز عناصر ضعف الاتفاق يتمثل في غياب أي معالجة فعلية للجبهة اللبنانية. ويؤكد أن إسرائيل، بحسب تقديره، لن تنسحب من المواقع التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، ما يعني أن أسباب المواجهة ستبقى قائمة. وفي المقابل، لن يكون حزب الله مستعداً للالتزام بأي ترتيبات طويلة الأمد في ظل استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية.كذلك، يشير إلى أن الحديث عن فصل المسارات بين إيران وحزب الله يتناقض مع الوقائع الميدانية، خصوصاً أن الغارات الإسرائيلية استهدفت خلال الأشهر الماضية مناطق متعددة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. لذلك فإن اعتبار الجبهة اللبنانية ملفاً جانبياً في الاتفاق يمثل، برأيه، قراءة خاطئة، لأن هذه الجبهة قد تتحول سريعاً إلى أحد أبرز أسباب انهياره.

يشير سكاف في حديثه بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يملك القدرة الكاملة على فرض شروطه على إسرائيل أو إلزامها بتنفيذ أي تفاهمات لا تنسجم مع حساباتها الأمنية والاستراتيجية. وحتى في حال تغير الحكومة الإسرائيلية، فإنه لا يتوقع تبدلاً جوهرياً في الموقف من إيران أو لبنان، بل يرجح استمرار السياسات المتشددة نفسها. وعليه، يخلص سكاف إلى أن الاتفاق الحالي قد يوفر هدنة مؤقتة تريح الاقتصاد العالمي وتخفض مستوى التوتر في المدى القريب، لكنه لا يؤسس لسلام دائم، بل يؤجل مواجهة جديدة قد تعود إلى الواجهة خلال عام أو عامين إذا بقيت الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها النووي الإيراني والجبهة اللبنانية، من دون حلول حقيقية ونهائية.
 
جاد الأخوي: الاتفاق الأميركي الإيراني ما زال في مرحلة الاختبار والحديث عن انتصار حاسم سابق لأوانه
 
أشار الصحفي جاد الأخوي إلى أن الاتفاق الأميركي – الإيراني لا يزال في مرحلة الاختبار أكثر منه في مرحلة التثبيت، معتبراً أن نجاحه خلال الشهرين المقبلين سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على تجاوز الملفات الخلافية الأساسية، وبمدى توافر إرادة سياسية حقيقية لدى كل من واشنطن وطهران لتحويل التفاهمات الأولية إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ. وأكد الأخوي أن احتمال التعثر أو حتى انهيار المسار التفاوضي لا يزال قائماً، خصوصاً أن التجارب السابقة بين الطرفين أظهرت أن أي تطور أمني أو خلاف حول آليات التنفيذ يمكن أن يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر. وأضاف أن الحديث عن اتفاق نهائي ومستدام ما زال سابقاً لأوانه، رغم وجود مؤشرات جدية تدفع نحو استكمال المفاوضات خلال المرحلة المقبلة.

وفي معرض تقييمه لنتائج المواجهة الأخيرة، رأى الأخوي أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تحقق انتصاراً استراتيجياً كاملاً. وأوضح أن ثلاثة أهداف رئيسية كانت مطروحة خلال المواجهة: أولها وضع اليد على مخزون اليورانيوم الإيراني أو ضمان السيطرة الكاملة عليه، وهو ما لم يتحقق بصورة واضحة حتى الآن. أما الهدف الثاني فتمثل في الدفع نحو تغيير النظام الإيراني أو إسقاطه، وهو ما لم يحدث، إذ بقي النظام قائماً رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية. في المقابل، اعتبر أن الهدف الثالث المرتبط بضمان حرية الملاحة ومنع استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط قد تحقق إلى حد كبير، وإن كان ذلك بعد مرحلة من التوتر كادت تدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.

وأضاف أن واشنطن نجحت جزئياً في حماية الملاحة الدولية والحفاظ على استقرار حركة التجارة العالمية، إلا أنها لم تحقق الهدفين الأكبر المتعلقين بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل النظام في طهران، ما يجعل الحديث عن انتصار أميركي حاسم أمراً مبالغاً فيه في هذه المرحلة.

وأشار الأخوي إلى أن المكاسب التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية لا تزال أقرب إلى تفاهمات سياسية مدعومة بقوة الردع العسكرية منها إلى ترتيبات نهائية تستند إلى ضمانات واضحة وقابلة للاختبار على المدى الطويل. فإيران، بحسب رأيه، لم تقدم حتى الآن ما يؤكد تخليها الكامل عن أوراق القوة التي تمتلكها، كما أن حلفاءها في المنطقة ما زالوا يحتفظون بهوامش حركة متفاوتة، فيما تواصل إسرائيل التمسك بحقها في اللجوء إلى الخيار العسكري إذا رأت أن التهديدات عادت للظهور.

وأكد أن الانتصارات في الحروب لا تُقاس فقط بنتائج المعارك أو بالإعلانات السياسية الأولية، بل بقدرة الأطراف على تحويل هذه النتائج إلى واقع سياسي وأمني مستدام. وانطلاقاً من هذا المعيار، رأى أن واشنطن لم تتمكن بعد من حسم الملف النووي الإيراني بصورة نهائية، كما أن الحرب لم تؤدِ إلى تغيير النظام الإيراني، في حين يبقى الإنجاز الأبرز محصوراً في منع إغلاق مضيق هرمز وضمان استمرار حركة الملاحة. لذلك يمكن للرئيس ترامب، بحسب الأخوي، أن يتحدث عن نجاح أو مكسب سياسي مهم، لكن الحكم على ما إذا كان ذلك يشكل انتصاراً استراتيجياً فعلياً سيبقى رهناً بما ستكشفه الأشهر والسنوات المقبلة.

وفي ما يتعلق بلبنان، أشار الأخوي إلى أن استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية أو امتناعها عن الالتزام بأي تفاهمات مستقبلية قد يشكل عامل ضغط إضافياً على المناخ الإقليمي ويزيد من هشاشة أي اتفاق أميركي – إيراني. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن من الخطأ ربط مصير لبنان بالكامل بمسار هذا الاتفاق أو جعله رهينة للتجاذبات الإقليمية كما حصل في مراحل سابقة.

وأكد أن الأولوية يجب أن تبقى لبنانية بامتياز، لافتاً إلى أن لبنان يمسك للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بورقة التفاوض المباشر باسمه ومن خلال مؤسسات دولته، لا عبر وسطاء إقليميين أو ارتباطات بمحاور خارجية. واعتبر أن هذا الأمر يشكل إنجازاً سياسياً وسيادياً ينبغي الحفاظ عليه وعدم التفريط به.

وختم الأخوي بالتشديد على أن اللبنانيين مطالبون بالتمسك باستمرار المفاوضات المباشرة واستقلالية القرار الوطني، بصرف النظر عن مسار العلاقات الأميركية – الإيرانية أو طبيعة المواجهة بين إسرائيل وإيران، لأن استعادة الدولة اللبنانية لدورها في إدارة ملفات الحرب والسلم والحدود والسيادة تبقى المكسب الحقيقي الذي يجب البناء عليه، بعيداً عن منطق ربط مستقبل لبنان بمفاوضات الآخرين وصراعاتهم الإقليمية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top