قانون إصلاح المصارف بين ملاحظات صندوق النقد والسيادة التشريعية…والإقامة الضريبية للمستقبل

بقلم راما الجراح

في وقت يسعى لبنان إلى استكمال مسار الإصلاحات المالية المطلوبة لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية، عاد قانون إعادة هيكلة المصارف إلى واجهة النقاش مع بروز تباين جديد حول بعض مواده بين الجهات اللبنانية وصندوق النقد الدولي. وبينما يرى فريق أن الملاحظات المستجدة تعكس تدخلاً متزايداً في المسار التشريعي، يعتبر آخرون أن ما يحصل هو نتيجة طبيعية للتعديلات التي تطرأ على مشاريع القوانين خلال مناقشتها وإقرارها. وفي موازاة هذا الملف، يبرز مشروع ما يعرف ب “الإقامة الذهبية” كأحد المشاريع التي تراهن عليها الدولة لاستقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد.

قانون إصلاح المصارف بين متطلبات الصندوق والهواجس اللبنانية

يوضح رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان في حديث لـ”ديمقراطيا” أن جوهر الخلاف في قانون إصلاح المصارف يتمحور حول الحفاظ على استقلالية مصرف لبنان وصلاحياته المحددة في قانون النقد والتسليف. ويشير إلى أن المصرف المركزي يتمتع حصراً بصلاحية إصدار التعاميم ووضع السياسات النقدية والمصرفية، فيما يقتصر دور الهيئة المنصوص عليها في القانون على إدارة عمليات إعادة هيكلة المصارف ومعالجة أوضاعها من دون التدخل في صلاحيات الحاكمية. ويؤكد أن هذا التوجه لم يكن موضع اعتراض من الحكومة أو وزارة المال، بل جرى تكريسه في القانون رقم 23/2025 الذي أُقر في آب من العام الماضي.

ويعتبر كنعان أن قانون إعادة هيكلة المصارف بصيغته الحالية يستوفي أكثر من 90 في المئة من العناصر الإصلاحية المطلوبة، إلا أن الإشكالية تكمن في استمرار ورود تعديلات وملاحظات جديدة من صندوق النقد الدولي خلال مراحل متلاحقة. وبرأيه، تقع على عاتق الحكومة مسؤولية حسم هذا الواقع من خلال تثبيت موقف واضح يحفظ الاستقرار التشريعي ويمنع إبقاء القوانين عرضة لتعديلات متكررة بعد إنجازها وإحالتها إلى المجلس النيابي.

ورغم انتقاده لمسار الملاحظات المتكررة، يشدد كنعان على أهمية استمرار التعاون مع صندوق النقد الدولي، معتبراً أنه يشكل مدخلاً أساسياً لاستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي والمؤسسات المانحة بلبنان. ويوضح أن أهمية الاتفاق مع الصندوق لا ترتبط فقط بقيمة التمويل المباشر المتوقع، والتي قد تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، بل تتجاوز ذلك إلى دوره في فتح أبواب الدعم الخارجي وإعادة إدماج لبنان في المنظومة المالية الدولية، في ظل فجوة مالية تقدر بنحو 80 مليار دولار.

في المقابل، يقدم الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا قراءة مختلفة للجدل القائم، معتبراً أن الأزمة لا تعكس تغييراً في موقف صندوق النقد بقدر ما تكشف عن خلل في آلية إعداد وإقرار القوانين في لبنان. ويوضح لـ”ديمقراطيا” أن مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف وُضع أساساً بالتنسيق مع الصندوق قبل إحالته إلى مجلس النواب، إلا أن التعديلات التي أُدخلت عليه خلال مناقشته في اللجان النيابية والهيئة العامة دفعت الصندوق إلى المطالبة بإعادة النظر في بعض بنوده لضمان انسجامها مع المعايير التي تم التوافق عليها سابقاً.

وبحسب أبو شقرا، تتركز ملاحظات صندوق النقد بصورة أساسية على المادتين الثالثة والثالثة عشرة المرتبطتين بصلاحيات مصرف لبنان والهيئة المكلفة معالجة أوضاع المصارف المتعثرة. ويشير إلى أن الصندوق يعتبر أن الحاكمية تتمتع بصلاحيات واسعة، لذلك يطالب بمنح الهيئة المستحدثة صلاحيات إضافية تتيح لها أداء دورها بصورة أكثر فعالية، فيما ترى الحاكمية أن بعض هذه التعديلات قد يؤدي إلى تداخل في الصلاحيات والمسؤوليات. كما يلفت إلى اعتراض الصندوق على وجود ممثل لجمعية ضمان الودائع ضمن إحدى الغرف المنصوص عليها في القانون، انطلاقاً من مخاوف تتعلق بإمكانية تعزيز نفوذ القطاع المصرفي داخل الهيئة المعنية بعمليات المعالجة وإعادة الهيكلة.

ويرى أبو شقرا أن ما يجري اليوم يشبه إلى حد كبير ما حصل سابقاً مع قانون السرية المصرفية، حيث أُقرت نصوص قانونية بعد إدخال تعديلات عليها داخل المجلس النيابي، قبل أن تستدعي لاحقاً تعديلات إضافية لتتلاءم مع متطلبات صندوق النقد. لذلك يعتبر أن الصندوق يقوم بدوره الطبيعي في التحقق من مدى انسجام التشريعات مع المعايير المتفق عليها، فيما يكمن الخلل الأساسي، بحسب رأيه، في طريقة تعديل مشاريع القوانين خلال مسارها التشريعي. كما يرجح ألا يستغرق إقرار التعديلات المطلوبة على قانون إعادة هيكلة المصارف وقتاً طويلاً نظراً لكونها تتعلق بقانون نافذ أساساً ويمكن تعديل بعض مواده عند توافر التوافق السياسي.

الإقامة الضريبية… رهان على الاستثمار بشروط مشددة

وفي ملف آخر، يوضح كنعان أن ما يُعرف بـ”الإقامة الذهبية” هو في الواقع نظام للإقامة الضريبية وليس له أي صلة بالتجنيس أو منح الجنسية. ويخضع المستفيدون منه لأحكام قانون تملك الأجانب، كما جرى ربطه بسلسلة ضوابط تتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من بينها اشتراط أن تأتي الأموال المحولة من الخارج وإخضاعها لأحكام القانون رقم 44. ويشير إلى أن الحد الأدنى المحدد للاستفادة من هذا النظام يبلغ 500 ألف دولار، معتبراً أن الهدف منه يتمثل في جذب رؤوس الأموال والاستثمارات إلى لبنان بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد والخزينة العامة ويساهم مستقبلاً في دعم مسار استعادة الودائع.

من جهته، يصف أبو شقرا المشروع بأنه نظام للإقامة الضريبية يهدف إلى استقطاب المستثمرين الأجانب عبر تقديم حوافز ضريبية مرتبطة بالاستثمار في لبنان. ويعتبر أن الفكرة تندرج ضمن رؤية اقتصادية طويلة الأمد يمكن أن تحقق نتائج إيجابية في حال استعاد لبنان استقراره المالي والمصرفي، إلا أنه يسجل ملاحظتين أساسيتين: الأولى تتعلق بقصر مدة الإقامة المطلوبة، والمحددة بـ90 يوماً، مقارنة بما هو معمول به في عدد من الدول الأخرى، والثانية ترتبط بضرورة استكمال الإصلاحات وتعزيز الرقابة، تفادياً لتحول المشروع إلى عامل جذب لأموال مشبوهة بدلاً من استقطاب استثمارات منتجة وطويلة الأجل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top