
ربّما كانت “استراحة محارب”، وربّما محاولة للتأمّل والمراجعة، فهي في كلّ الأحوال مجرّد خطوة إلى الوراء تبدو ضروريّة بعد “الصعود الصاخب” في سياق معركة المقعد الماروني في طرابلس، وبعد القرار الرسمي بتأجيل الإستحقاق الإنتخابي لمدّة سنتين على الأكثر..
رجل الأعمال يوسف بو ناصيف يسمّيها “إعادة تموضع” ربطاً بالتحوّلات السياسيّة، وربطاً بأنّ لكلّ مرحلة عناوينها الملائمة، دون أن يبدّل ذلك شيئاً في أنّ “السياسة مشروع طويل الأمد”، وأنّ “طرابلس قادرة على لعب دور وطني أساسي”.
في ظلّ التحوّلات التي تشهدها المنطقة، إن في مفاوضات جنيف، وإن في مفاوضات واشنطن، يرى بو ناصيف أنّه “من المبكر الحديث عن نتائج أو عن مرحلة جديدة”، كما يرى أنّه “كلبناني يعنيني ألّا يتحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض..”.
أمّا عن إطلاق “مؤسّسة بناة” فإنّما يتأتّى عن قناعة بأنّ “التنمية لا يمكن أن تنتظر الدولة وحدها”، مؤكّداً على أنّ “الإستثمار في الإنسان يبقى هو الأساس”.
..وماذا يقول بو ناصيف أيضاً وأيضاً؟
تحوّلات ومفاوضات!
*تشهد المنطقة تحوّلات تبدو عميقة وجذريّة:مفاوضات أميركيّة – إيرانيّة في جنيف..ومفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة في واشنطن:أين تتقاطعان..وأين تتناقضان؟ وما تأثير كلّ ذلك على الوضع اللبناني؟
برأيي، التقاطع بين المسارين واضح: كلاهما يعكس محاولة لإعادة رسم التوازنات وقواعد الاشتباك في المنطقة بعد سنوات من الحروب والتوتّرات. لكن في المقابل، هناك اختلاف جوهري بينهما. فالمفاوضات الأميركية – الإيرانية تتناول ملفّات استراتيجية كبرى تتعلّق بالنفوذ الإقليمي والأمن والعقوبات، بينما تبقى المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مرتبطة مباشرة بأمن لبنان وسيادته واستقراره.
ما يعنيني كلبناني هو ألّا يتحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض أو ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليميّة والدوليّة. أيّ مسار تفاوضي يجب أن يصبّ أوّلاً في مصلحة لبنان، وأن يساهم في وقف الإعتداءات، تثبيت الاستقرار، وحماية السيادة الوطنيّة.
في الوقت نفسه، يجب أن نكون واقعيين. من المبكر الحديث عن نتائج حاسمة أو عن مرحلة جديدة بالكامل في ظلّ استمرار التوتّرات والتهديدات القائمة. لذلك المطلوب من لبنان أن يتعامل مع هذه التحوّلات بحذر، وأن يحافظ على موقف وطني موحّد بعيداً عن الإنقسامات، لأنّ قوّة لبنان الحقيقيّة في هذه المرحلة تكمن في وحدته الداخليّة وقدرته على الدفاع عن مصالحه بصوت واحد.
موقفي واضح: نحن مع أيّ جهد سياسي أو دبلوماسي يجنّب لبنان الحرب ويؤمّن الإستقرار، لكنّنا نرفض أن يكون مستقبل لبنان أو قراره الوطني جزءاً من مقايضات تُعقد على حسابه. الأولويّة يجب أن تبقى دائماً للدولة اللبنانيّة، ولمؤسّساتها، ولمصلحة اللبنانيين قبل أيّ اعتبار آخر.
السياحة والأمن!
*تعيش السياحة في لبنان أسوأ أحوالها بسبب التطوّرات الأمنيّة المتصاعدة.كمستثمر في هذا القطاع، كيف يمكن لك أن تتصرّف..وكيف تنظر إلى المستقبل؟
كمستثمر، لا يمكنني أن أتجاهل المخاطر القائمة، لذلك تكون الأولوية اليوم لإدارة المخاطر والحفاظ على استمرارية الأعمال والتخفيف من الخسائر قدر الإمكان، مع التركيز على السوق المحلّية والأسواق التي ما زالت قادرة على الوصول إلى لبنان عندما تسمح الظروف.
في الوقت نفسه، لا أؤمن بسياسة الانسحاب الكامل أو انتظار الحلول الخارجية. لبنان مرّ خلال العقود الماضية بأزمات وحروب وتحدّيات كثيرة، ومع ذلك بقي القطاع السياحي من أكثر القطاعات قدرة على التعافي عندما تتوافر الظروف المناسبة.
أما بالنسبة للمستقبل، فأنا أعتقد أنّ مستقبل السياحة في لبنان مرتبط بشكل مباشر بالاستقرار الأمني والسياسي. فلا استثمار ولا نمو سياحي مستدام من دون دولة قوية ومؤسسات فاعلة واستقرار يسمح للسائح والمستثمر بالشعور بالثقة.
لذلك، المطلوب اليوم ليس فقط دعم القطاع السياحي، بل العمل على معالجة الأسباب التي تعيق نموّه. فإذا نجح لبنان في استعادة الاستقرار وتعزيز علاقاته العربية والدولية وإطلاق مسار إصلاحي جدّي، فإنّ القطاع السياحي سيكون من أوائل القطاعات القادرة على استعادة عافيته وجذب الإستثمارات مجدّداً.
تحوّلات طرابلس الكبرى!
*تشهد طرابلس الكبرى تحوّلات لافتة على صعيد المشاريع التنمويّة، ومنها قرب إطلاق العمل في مطار رينه معوّض، مناقصة أوّليّة حول سكّة الحديد، وبوادر انتعاش في المرفأ ومعرض كرامي الدولي والمنطقة الإقتصاديّة الخاصّة:هل نحن أمام دور جديد للمدينة والشمال..وكيف ترى هذا الدور؟
إذا تحقّقت هذه المشاريع ضمن جداول زمنيّة واضحة وبعيداً عن التجاذبات السياسيّة، فأعتقد أنّنا أمام فرصة حقيقيّة لإعادة تموضع طرابلس والشمال على الخريطة الإقتصادية اللبنانية.
طرابلس لا ينقصها الموقع الجغرافي ولا الموارد البشريّة، بل عانت لعقود من غياب القرار السياسي والإستثمار الكافي. اليوم، مع الحديث عن تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض، وتطوير المرفأ، وإحياء سكّة الحديد، وتفعيل المنطقة الإقتصادية الخاصّة ومعرض رشيد كرامي الدولي، تبرز إمكانيّة تحويل الشمال إلى منصّة لوجستية وتجارية واستثمارية تربط لبنان بمحيطه العربي وشرق المتوسّط.
لكنّني أتعامل مع هذه المشاريع بواقعيّة. فالتحدّي ليس في إطلاق العناوين، بل في التنفيذ والاستمرارية. المطلوب رؤية متكاملة تربط بين المطار والمرفأ والمنطقة الإقتصادية وشبكات النقل، لأنّ نجاح أيّ مشروع بمفرده يبقى محدوداً إذا لم يكن جزءاً من خطّة تنمويّة شاملة.
أنا أرى أنّ طرابلس قادرة على لعب دور اقتصادي وطني أساسي في المرحلة المقبلة، ليس فقط لخدمة الشمال، بل للمساهمة في تحريك الإقتصاد اللبناني ككلّ. وهذا يتطلّب شراكة حقيقيّة بين الدولة والقطاع الخاص، وإدارة كفوءة تضع التنمية فوق الحسابات السياسيّة الضيّقة.
إستراحة أم مراجعة؟
*على أثر تأجيل الإنتخابات النيابيّة لمدّة سنتين، شهدت مسيرتك السياسيّة نوعاً من الركود:هل هو نوع من “استراحة المحارب”، أم إعادة نظر وتقييم لمرحلة الصعود التي رافقت ترشيحك عن المقعد الماروني في طرابلس؟
لا أعتبر ما حصل ركوداً بقدر ما هو مرحلة مراجعة وإعادة تموضع فرضتها الظروف السياسية التي مرّ بها لبنان. فالعمل السياسي لا يُختصر باستحقاق انتخابي، ولا يتوقّف بتأجيل الإنتخابات أو تبدّل المواعيد الدستوريّة.
خلال هذه الفترة، بقيت على تواصل مع الناس وأتابع الشأن العام والقضايا الإنمائيّة والإقتصادية التي تهمّ طرابلس والشمال، لأنّ قناعتي كانت وما زالت أنّ الحضور السياسي الحقيقي يُبنى على الإستمرارية لا على المواسم الإنتخابية.
بطبيعة الحال، كلّ تجربة سياسيّة تستوجب التقييم واستخلاص الدروس، وهذا أمر صحّي وضروري لأيّ شخص يعمل في الشأن العام. لكنّني لا أنظر إلى المرحلة السابقة كمرحلة صعود وانتهت، بل كجزء من مسار مستمرّ هدفه المساهمة في الحياة العامّة وخدمة المدينة التي أنتمي إليها.
السياسة بالنسبة لي ليست سباقاً على موقع أو مقعد، بل مشروع طويل الأمد، والظروف التي يمرّ بها لبنان اليوم تؤكّد أنّ الحاجة إلى العمل الجدّي والمسؤول أصبحت أكبر من أيّ وقت مضى.
“بناة” للتنمية
*في الفترة الأخيرة، أطلقتَ مؤسّسة “بناة” للتنمية.ما هي أهدافها، وما مجالات عملها؟
إطلاق مؤسسة “بناة” جاء انطلاقاً من قناعة بأنّ التنمية الحقيقيّة لا يمكن أن تنتظر الدولة وحدها، بل تحتاج إلى مبادرات مجتمعيّة تساهم في تمكين الأفراد وتعزيز قدراتهم وخلق فرص جديدة أمامهم.
تهدف المؤسسة إلى العمل في مجالات التنمية البشرية، وتمكين الشباب، ودعم المبادرات الريادية، وتعزيز المهارات المهنية والتقنية التي تساعد الأفراد على دخول سوق العمل أو تطوير مشاريعهم الخاصّة. كما تولي اهتماماً خاصّاً للتوعية المجتمعية، والتعليم والتدريب، وبناء الشراكات مع مختلف الجهات المحلية والدولية لخدمة المجتمع.
نحن نؤمن أنّ الاستثمار في الإنسان هو الأساس، لذلك نسعى إلى إطلاق برامج ومشاريع تترك أثراً مستداماً، وتمنح الشباب والأسر أدوات حقيقية لتحسين واقعهم الإقتصادي والإجتماعي.
في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان، نريد أن تكون “بناة” مساحة للعمل والإنتاج والأمل، ومنصّة تجمع الطاقات والكفاءات للمساهمة في تنمية المجتمع، بعيداً عن أيّ اعتبارات سياسية أو فئوية، وبما يخدم مصلحة الإنسان أوّلاً.

