
بقلم الياس عيسى الياس
وسط مرارة النزوح وقسوة التهجير في مراكز الإيواء المشتركة، تعيدالجغرافيا اللبنانية صياغة نفسها اليوم. هذا الاختلاط القسري أزال، تحت وطأة المعاناة، جدراناً نفسية سميكة بُنيت على مدى عقود؛ ولعلها المرة الأولى التي يكتشف فيها كثير من اللبنانيين أن شركاءهم في المعاناة يشبهونهم أكثر مما كانوا يظنون.
ومن هذا الواقع المشحون بالألم، بدأ يتشكل وعيٌ شعبي عابر للطوائف يوحي بأن اللبناني، عندما يفقد سقف بيته، لا يجد ملجأ يضمن كرامته سوى هذا الإطار الوطني الجامع. إنها قناعة تتبلور اليوم مع تراجع المراهنة على الضمانات الفئوية، لصالح العودة إلى الدولة بوصفها الحاضنة الأكثر واقعية للحماية.
وفي قراءة متأنية لنتائج مغامرة العقود الماضية، يتضح أن محاولة بناء منظومات موازية كبديل عن المجتمع الوطني قد وصلت إلى طريق مسدود؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت ترسانتها، لا تستطيع تأمين شبكة أمان اجتماعي أو مالي عندما تنهار البلاد.
وتكشف التجربة الحالية معطىً جيوسياسياً يصعب تجاهله: لا يمكن لجهة داخلية أن تحتكر قرار الحرب والسلم، ثم تنتظر من الدولة أن تؤدي دور صندوق الإغاثة عند الانكسار. إن التحول الصامت في المزاج الشعبي يعكس نفاد الصبر من التضحية بمستقبل الوطن خدمة لوصايات إقليمية طالما اتخذت من لبنان ساحة لتصفية حساباتها على حساب دماء أبنائه.
هذه التحولات تتقاطع اليوم مع مسار ديبلوماسي حرج، يمثله “اتفاق الإطار” لربط وقف إطلاق النار ببسط سلطة الشرعية وحصر السلاح؛ وهو مسار يرتكز على جداول زمنية محددة وآليات تنفيذية تضمن انتشار الشرعية وتفكيك أي بنى عسكرية موازية.
فالمعطيات تشير إلى أن المجتمعين الدولي والعربي لن يمنحا الاعتراف السياسي والدعم المالي لبنى مسلحة خارج إطار الشرعية، بل لدولة تعترف بحدودها ومسؤولياتها. وتطبيق هذا المسار يستوجب اليوم التفافاً حاسماً حول الجيش اللبناني، الذي يواجه بدوره تحديات لوجستية ومالية هائلة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً، لتمكينه كآلية مؤسساتية وحيدة قادرة على ضبط الأمن وحظر السلاح فوق كامل التراب الوطني.
بالتأكيد، يبرز هنا تساؤل مشروع: ما الذي يضمن أن الدولة اللبنانية ستكون هذه المرة مختلفة عما كانت عليه من نظام محاصصة زبائني قبل انهيار ٢٠١٩؟ الجواب يكمن في حتمية الشروط الصارمة المرافقة لأي تدفق مالي أو ورشة إعمار؛ وهي شروط تختلف جذرياً عن هندسات مؤتمر”سيدر” السابق، كونها تأتي اليوم بآليات رقابة دولية مباشرة وصارمة تربط المساعدات بخطوات إصلاحية ملموسة تشمل تفكيك بنى الهدر.
إن إعادة بناء الوطن تستدعي عقداً اجتماعياً يفرضه الواقع قبل النصوص، يتأسس على صياغة شراكة وطنية حقيقية تنبثق من قاعدة المؤسسات لا الحلول الأمنية المؤقتة.
وليس هذا التوق إلى الدولة وليد اللحظة الراهنة، بل هو أحد أعمق الثوابت في الوجدان السياسي اللبناني الذي صاغته رجالات متباعدة في رؤاها وخلفياتها — من الإمام موسى الصدر إلى الشيخ بيار الجميل، ومن الرئيس رينيه معوض إلى الرئيس رفيق الحريري — حيث التقت تلك القامات، عبر اختبارات الدم والنفي، عند قناعة مشتركة بأن الدولة مهما اعتراها من ضعف تبقى الملجأ الوحيد لحماية الكيان وجمع اللبنانيين.
وهي القناعة التي تكرست دستوريّاً في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف بوصفها الصيغة الإنقاذية التي تضمن التوازن الشراكي تحت سقف القانون.
من رماد الملاجئ إلى منطق السيادة، مسافة لا تُقطع بالشعارات المؤجلة، بل بقرارات لا تحتمل التأجيل؛ فلبنان، بحكم تكوينه المركّب، لا يستقيم خارج منطق الطائف بصيغته التعاقدية التعددية، والالتزام بالقرارات الدولية. وإذاكان “اتفاق الإطار” قد فتح ثغرة لاستعادة القرار الحصري للشرعية، فإن المسار لا يبدو نزهة دستورية بل مواجهة شاقة لتفكيك الامتيازات الفئوية.
لقد اكتشف اللبناني، وهو يغادر منزله تحت القصف، أن لا سقف يعلو على الدولة؛ فلا تستقيم دولة القانون في ظل سلاح خارج عن الشرعية، ولا يستقر اقتصاد في ظل غياب المحاسبة. ولذلك، فإن تحويل هذه القناعة القاسية إلى مشروع سياسي ومؤسساتي ناجز هو المعركة الحقيقية والوحيدة التي ستحدد ما إذا كان لبنان سيستعيد وجوده كوطن سيد مستقل، أم سيبقى مجرد ساحة مفتوحة على الرماد.
