
راما الجراح
شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان، ولا سيما محطته في مدينة طرابلس، حدثاً سياسياً وشعبياً لافتاً، بعدما حظي باستقبال واسع من أبناء المدينة، في مشهد أعاد إلى الواجهة طبيعة العلاقة التاريخية والاجتماعية بين شمال لبنان وسوريا، كما فتح الباب أمام تفسيرات متعددة لدلالات الزيارة ورسائلها السياسية والاقتصادية.
وبينما رأى البعض أن مشاهد الاستقبال كانت عفوية وتعكس مشاعر تراكمت على مدى سنوات، اعتبر آخرون أنها حملت رسائل تتجاوز الطابع الشعبي إلى أبعاد سياسية مرتبطة بمرحلة ما بعد التغيير في سوريا ومستقبل العلاقة بين البلدين.
بارودي: الزيارة تتجاوز البروتوكول
اعتبر أمين الفتوى في طرابلس وإمام مسجد السلام، الشيخ بلال بارودي، أن زيارة الشيباني إلى لبنان عمومًا وطرابلس خصوصًا كانت لافتة، مشيرًا إلى أن أبناء المدينة كانوا يتطلعون إلى رؤية مسؤول سوري يمثل الدولة الجديدة التي ساندوا ثورتها، لافتاً إلى أن الشيباني كان أول مسؤول يزور المدينة بعد هذا التحول.
وأوضح أن الحشود التي استقبلت الوزير لم تكن منظمة، بل جاءت بصورة عفوية، معبّرة عن مشاعر الناس وفرحتهم بما وصفه بالمرحلة الجديدة في سوريا.
وأشار بارودي إلى أن الشيباني بحث خلال لقاءاته الرسمية ملفات اقتصادية مهمة، من بينها إعادة فتح المعابر، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، إضافة إلى تنشيط المرافئ والمطارات بما يخدم مصالح الطرفين.
وأضاف أن الوزير السوري أثار أيضاً ملف الموقوفين المرتبطين بالأحداث السورية، وأبلغ المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم أنه ليس من المنطقي أن تنتصر الثورة السورية فيما لا يزال هؤلاء داخل السجون، معتبراً أن هذا الملف يجب أن يُعالج.
ورأى بارودي أن الانتقادات التي وُجهت إلى طريقة استقبال الشيباني مبالغ فيها، معتبراً أن ما جرى هو أقل ما يمكن تقديمه، بعد عقود من القطيعة مع سوريا، وقال إن الشمال افتقد طوال نحو خمسين عاماً ما وصفه بالعلاقة الطبيعية مع الجار السوري، مضيفاً أن من حق أبناء طرابلس التعبير عن فرحتهم، مع التشديد في الوقت نفسه على احترام سيادة البلدين، ليبقى لبنان في لبنان، وتبقى سوريا في سوريا.
الشريف: رسالة وفاء لطرابلس ونهج جديد
من جهته، رأى الكاتب السياسي خلدون الشريف أن زيارة الشيباني والاستقبال الذي حظي به يتجاوزان البعد البروتوكولي، ويحملان رسائل سياسية وتاريخية واضحة.
وأوضح أن طرابلس كانت أول مدينة لبنانية احتضنت الثورة السورية، وقدمت شهداء منذ انطلاقها، كما دفعت ثمناً باهظاً نتيجة تفجير مسجدي السلام والتقوى، حيث سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، معتبراً أن زيارة الشيباني يمكن فهمها على أنها رسالة وفاء من سوريا الجديدة لمدينة وقفت إلى جانب الشعب السوري خلال أصعب مراحله.
وأضاف الشريف أن الزيارة تعكس أيضاً مقاربة سورية جديدة في التعامل مع لبنان، تقوم على احترام العلاقات بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، والعمل على دعم الاستقرار وتخفيف التوترات، ضمن رؤية إقليمية أوسع لإعادة بناء الاستقرار في المنطقة.
وأكد أن دمشق، وفق قراءته، ليست في وارد التدخل داخل الساحة اللبنانية، بل تسعى إلى بناء علاقة مختلفة مع الدولة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالانتقادات التي طالت مشهد الاستقبال الشعبي، اعتبر الشريف أن تباين المواقف أمر طبيعي، لأن الثورة السورية منذ بدايتها كان لها مؤيدون ومعارضون داخل لبنان، وبالتالي فإن اختلاف ردود الفعل على الزيارة يبقى انعكاساً لهذا الانقسام، مشدداً على أن طرابلس التي دفعت أثماناً كبيرة، سواء من خلال أبنائها الذين سقطوا في تلك المرحلة أو عبر تفجيري مسجدي السلام والتقوى، تنظر إلى الزيارة من زاوية مختلفة ترتبط بذاكرتها وتاريخها.
