حين يصبح صمت الطفل… جريمة يرتكبها المجتمع بأكمله

بقلم غنوى ابو ضاهر

القضية التي هزّت منطقة الضم والفرز في طرابلس ليست مجرد خبرٍ عابرٍ، ولا موجةَ ضجّةٍ إعلاميةٍ ستنتهي وتُنسى. هي لحظةٌ صادمةٌ تفرض على الجميع وقفةً جدّيةً مع أنفسهم قبل أي شيءٍ آخر.

ما يتم تداوله حول الحادثة، سواء ثبت بالكامل أو بقي جزءٌ منه في إطار التحقيق، يضعنا أمام حقيقةٍ لا تحتمل النقاش: أي ادعاءٍ بتعرّض طفلٍ للأذى أو التحرّش يجب أن يُؤخذ بأقصى درجات الجدية والحماية، وأن تبقى كلمة الفصل للقضاء والجهات المختصّة وحدها.

المؤلم في هذه القضايا أنّ الخطر أحيانًا لا يأتي بشكلٍ واضحٍ أو متوقع، بل قد يتخفّى خلف ما يبدو بريئًا ومألوفًا. قد يرتدي قناعًا لطيفًا، أو صورةً محبّبةً للأطفال، أو شكلًا يُفترض أنه مصدر فرحٍ وأمان. لكن خلف هذا القناع، يمكن أن تختبئ نوايا مريضةٌ تستغل ثقة الطفل وبراءته في اللحظة التي لا يتوقع فيها الخطر.

وهنا تكمن الصدمة الأكبر: أن ما يُفترض أن يكون رمزًا للفرح قد يتحوّل في بعض الحالات إلى وسيلة خداع. وهذا ما يجعل الوعي والحماية والانتباه مسؤوليةً جماعيةً لا تقع على الطفل وحده أبدًا.

التحرّش بالأطفال ليس مجرد جريمةٍ قانونيةٍ، بل هو اعتداءٌ مباشرٌ على الأمان الداخلي للطفل، وعلى إحساسه بالعالم، وعلى قدرته لاحقًا على الثقة بمن حوله. والضرر لا يتوقف عند لحظة الحادثة، بل قد يمتدّ لسنواتٍ طويلةٍ إذا لم يُحتضن الطفل بشكلٍ صحيح.

الأخطر من الجريمة نفسها أحيانًا هو ما يليها: الصمت، الشك، اللوم، أو التعامل مع الطفل وكأنه مطالبٌ بإثبات ألمه. الطفل الذي يتكلم يحتاج أن يُقابل بالتصديق والحماية، لا بالاستجواب أو التشكيك. لا تسألوه لماذا سكت، ولا لماذا لم يقاوم، ولا لماذا تأخر في الكلام. اسألوا أنفسكم بدلًا من ذلك كيف يمكن لطفلٍ أن يشعر بالأمان ليحكي من الأساس؟

الحقيقة القاسية أن كثيرًا من الأطفال لا يخافون من الفعل نفسه بقدر ما يخافون من عدم التصديق، أو من ردّة فعل الكبار، أو من تحوّلهم فجأة إلى موضع شك بدلًا من الحماية. لذلك، البداية الحقيقية ليست في التحقيق فقط، بل في الاحتواء، وفي الإصغاء، وفي خلق مساحة أمان يشعر فيها الطفل أنه ليس مذنبًا، وأن المسؤولية كاملة تقع على المعتدي وحده، مهما كانت الظروف.

كما أن الأثر النفسي لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل قد يظهر لاحقًا على شكل قلقٍ، أو عزلةٍ، أو اضطرابات نومٍ، أو فقدان ثقة بالنفس وبالآخرين. ولهذا فإن الدعم النفسي ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورةٌ أساسيةٌ في رحلة التعافي.
ومن واجب الأهل والمجتمع أن يحموا الطفل من إعادة الإيذاء، سواء عبر الشائعات أو الفضول أو تحويل قصته إلى مادة تداول. فكرامة الطفل وخصوصيته جزءٌ من علاجه، وليست تفصيلًا جانبيًا.

في النهاية، المجتمع الذي لا يصدّق أطفاله، ولا يحميهم، ولا يحتضن وجعهم، لا يفقد فقط براءتهم… بل يفقد جزءًا من إنسانيته دون أن يشعر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top