بقلم جوزاف وهبه

لم تغب الدلالات العديدة والكبيرة عن زيارة وزير الخارجيّة السوري أسعد شيباني إلى لبنان، بما فيها مدينة طرابلس، بل هي حضرت في أكثر من محطّة، كما في تعليق رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بقوله أنّه “لم يلمس أيّ حقد سوري على حزب الله” (وهو هدف من أهداف لقاء عين التينة)، وفي كلام الشيباني نفسه عن أنّ “اتّفاقية الإطار” مع اسرائيل إنّما هي شأن لبناني داخلي لا علاقة لسوريّا به، لا من قريب ولا من بعيد، بالرغم ممّا تردّد عن “انزعاج” تركي – عربي ممّا سُمّي “الإندفاعة اللبنانيّة الرسميّة” في التوقيع على مسار التفاوض في واشنطن!

ولكنّ الزيارة (ولقاءاتها المنتقاة عمداً..) لم تمرّ دون تسجيل مفارقات هي أساس الزيارة، ولو تخلّلتها “تطمينات” من هنا، وتوقيع اتّفاقيّة تعاون من هناك:

مسيحيّاً، زار الشيباني بيت الكتائب في الصيفي، قائد القوّات اللبنانيّة سمير جعجع في معراب، والبطريرك الراعي في بكركي، متجاهلاً “حلفاء النظام السوري القديم”، رئيس التيّار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس تيّار المردة سليمان فرنجيّة..كما اكتفى في الساحة الدرزيّة بلقاء الزعيم وليد جنبلاط (سبق له أن زار دمشق مرّتين) دونما المرور بقصر النائب فيصل ارسلان أو دارة وئام وهّاب..أمّا سنّياً فقد انحصرت لقاءاته بالموقع الرسمي لرئيس الحكومة نوّاف سلام، مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان..وبمدينة طرابلس من بوّابة مفتيها الشيخ محمد إمام.كما اكتفى – شيعيّاً – بالإجتماع مع رئيس المجلس نبيه برّي، لافتاً إلى أنّ اللقاء مع حزب الله “ممكن..إذا كان يصبّ في مصلحة البلدين”، على حدّ تعبيره!

ما جرى من لقاءات، بالتأكيد “مدروس..ومفهوم”، ولكنّ ذلك لا يعني عدم وجود دلالات أو ظواهر أخرى يمكن تسجيلها:

أوّلاً، غصّة بيروتيّة (وربّما سنّية) من عدم التعريج على ضريح الرئيس رفيق الحريري كشهيد أوّل في “ثورة الأرز” التي لها الفضل الكبير في زعزعة ركائز نظام الأسد، والتي شكّلت بخروج الجيش السوري من لبنان أحد العوامل الموضوعيّة في انطلاقة “ثورة الياسمين” في الشام.فلثورة الأرز، دون أدنى شكّ، بعض الفضل في الربيع السوري، وكانت تستحقّ “شكراً”، اللهمّ إلّا إذا كانت ستثير حساسيّة لا يزال النظام الفتيّ في دمشق بغنىً عنها في هذه المرحلة!

ثانياً، ما شهدته مدينة طرابلس من استقبال شعبي للضيف السوري “الثائر” له “تبريراته المتعدّدة” بالتأكيد، ولكن هل هذه التبريرات تكفي؟

الناس في العاصمة والجبل وكسروان لم ينزلوا إلى الشارع مرحّبين، ولو كانت الفرحة عارمة في معظم المناطق اللبنانيّة بأنّ “الزائر الشقيق” لم يعد عبد الحليم خدّام أو فاروق الشرع ووليد المعلّم وبثينة شعبان..فلماذا يحدث ما حدث فقط في طرابلس؟

إنّها “الذاكرة”، من مجزرة التبّانة عند دخول قوّات الردع إلى لبنان، إلى تفجيريّ التقوى والسلام بعد الخروج المذلّ بكلّ المقاييس..

إنّها “الحاجة الدائمة” إلى زعامة سنّية مفقودة، حتّى إشعار آخر..

ولكن – وبالأذن من بعض الأصدقاء المتحمّسين – كان الأجدى بالمستقبلين أن يرفعوا، بدل العلم السوري، صور خليل عكاوي وأبو حسن المير والشيخ صبحي الصالح وشهداء التبّانة..لقد سبق ودفعت المدينة الثمن غالياً في مواجهة عشرات السنين من القمع والتنكيل والقتل، وما زيارة الوزير الشيباني إليها – دون غيرها من المدن – إلّا نوعاً من أنواع “ردّ الجميل”.وبالتالي، أما كان أجدى بنا، أن نثق بما فعلناه وقدّمناه في الماضي القريب، وأن ننضج قليلاً، بعيداً عن استعادة “التجارب الفاشلة” مراراً وتكراراً!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top