
بقلم راما الجراح
تدخل المنطقة مرحلة دقيقة مع تصاعد التطورات بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار التصعيد الإسرائيلي، وسط تساؤلات حول مستقبل التهدئة والمفاوضات، وما إذا كانت الضغوط المتبادلة ستقود إلى تفاهم جديد أو إلى مواجهة أوسع. وبين هذه الحسابات، يبقى لبنان في قلب المشهد الإقليمي، متأثراً بأي تحول في موازين القوى أو التفاهمات المقبلة.
وفي حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، يرى الأستاذ الجامعي الدكتور علي مراد أن المنطقة لا تشهد انهياراً كاملاً ونهائياً لمسار التهدئة، بل هي أمام لحظة اختبار قاسية لهذا المسار، وانتقال من تفاوض هادئ أو شبه هادئ إلى تفاوض تحت الضغط والنار والتهديد. ويؤكد أن ما يجري هو سياسة ضغط متبادل، لكنها ليست لعبة شكلية، بل ضغط حقيقي يحمل دائماً خطر الانزلاق، مشيراً إلى أن واشنطن تريد أن تقول إن العودة إلى التفاوض لا يمكن أن تحصل وفق الشروط الإيرانية القديمة، فيما تريد طهران التأكيد أنها لا تفاوض من موقع المهزوم أو المحاصر بالكامل. لذلك نحن أمام معادلة دقيقة، لا حرب شاملة حتمية، ولا تسوية ناضجة بعد، بل عض أصابع كبير داخل المنطقة كلها.
ويعتبر مراد أن الموقف الأميركي يقوم على ازدواجية مقصودة، عبر رفع السقف في الخطاب واستخدام التهديد والضغط العسكري والسياسي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام اتفاق أو تفاهم. ويرى أن إدارة ترامب لا تريد فقط العودة إلى الاتفاق، بل تريد العودة إليه من موقع تفاوضي مختلف، بحيث تدفع إيران كلفة ما جرى، ويرتبط أي تفاهم جديد ليس فقط بالملف النووي، بل أيضاً بسلوك إيران الإقليمي وأوراقها في العراق ولبنان واليمن والخليج. ويضيف أن التصعيد العسكري يهدف إلى فرض شروط تفاوضية جديدة، لأن كل طرف يريد الدخول إلى المرحلة المقبلة ومعه أوراق قوة لا أوراق ضعف.
وفي هذا السياق، يوضح أن الولايات المتحدة تريد أن تحرم إيران من القدرة على استخدام مضيق هرمز وساحات المنطقة كورقة ابتزاز مفتوحة، فيما تريد طهران إثبات أن الضغط عليها لن يمر بلا ثمن، وأن لديها قدرة على الإرباك والرد. أما إسرائيل فتريد أن تدفع باتجاه تفسير أوسع لأي تفاهم أميركي إيراني، بحيث لا يكون مجرد تفاهم نووي أو أمني ضيق، بل مناسبة لتقييد النفوذ الإيراني وأذرعه، وخصوصاً في لبنان. ويشير إلى أن إسرائيل تحاول استغلال التصعيد لتوسيع عدوانها وفرض وقائع جديدة بالقوة، خصوصاً في لبنان وسوريا، وإبقاء الجنوب في وضع معلّق، لا حرب شاملة ولا سلام ولا انسحاب، بما يحوّل وقف إطلاق النار إلى أداة ضغط دائم على لبنان.
ويشدد على أن إسرائيل غير متحمسة للإطار أو حتى لتطبيقه ولو جزئياً، وهي راغبة إما في العودة للحرب أو تثبيت سياسة استنزاف وابتزاز بالقوة، ومحاولة لانتزاع شروط سياسية وأمنية تحت ضغط الحرب. ويرى أن الموقف اللبناني الأخير كان شديد الأهمية، لأنه حمل إسرائيل مسؤولية عدم احترام المسار، وأكد أن الأمور عرضة للانتكاسة إذا لم تحدث خطوات جدية، مشدداً على أن الموقف اللبناني واضح لجهة إدانة الاعتداءات الإسرائيلية، والتمسك بالانسحاب الكامل، وعودة الأهالي، ورفض تحويل وقف إطلاق النار إلى احتلال منخفض الكلفة.
وفي المقابل، يعتبر أن “التجربة أثبتت أن تسليم ملف لبنان إلى إيران لم يكن ضمانة للبنان، لا في ردع إسرائيل، ولا في منع الحرب، ولا في تأمين الانسحاب، ولا في حماية الجنوب وأهله”. ويؤكد أن المطلوب هو استعادة الملف اللبناني وربط لبنان بحاضنته العربية التي تتقاطع مصالحها مع مصلحته، لأن لبنان لا يستطيع أن يحمي نفسه إذا بقي ورقة في تفاوض الآخرين، ولا يستطيع أن يفاوض بفاعلية إذا كان قراره موزعاً بين الدولة ومحور إقليمي. كما يوضح أن الاتفاق الأميركي الإيراني لا يشكل ضمانة فعلية للبنان، لأنه مرتبط بمصالح الآخرين وحسابات واشنطن وطهران وتل أبيب، لا بحسابات الدولة اللبنانية وحدها.
أما السيناريوهات المقبلة، فيرجح مراد استمرار التصعيد المضبوط، أي ضربات محدودة، تهديدات عالية، ورسائل أمنية وسياسية، وفي الخلفية وساطات لا تتوقف. ويرى أن هذا السيناريو يسمح للجميع بالضغط من دون دفع كلفة الحرب الشاملة، فيما يبقى السيناريو الثاني هو تجميد التفاوض لفترة مع إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة عبر الوسطاء. أما السيناريو الأخطر فهو خروج التصعيد عن السيطرة بسبب خطأ ميداني، أو ضربة كبيرة، أو توسع إسرائيلي في لبنان، أو رد إيراني يفرض رداً أميركياً أوسع.
ويختم بالقول: “إن المنطقة تقف اليوم بين تفاوض لم يمت وحرب لم تولد كاملة، بين ضغط يريد أن يصنع اتفاقاً وضغط قد ينسف الاتفاق. أما لبنان، فهو الحلقة الأضعف إذا بقي ينتظر ضمانات الآخرين، لأن الضمانة الوحيدة الممكنة ليست أن يذكره اتفاق أميركي إيراني أو يتجاهله، بل أن يستعيد لبنان موقعه كدولة، لا كساحة، ولا كورقة، ولا هامش في دفاتر الآخرين”.
