
بقلم الياس عيسى الياس
كل مساء، تعيد أمواج البحر عند منارة بيروت المحاولة نفسها: تضرب الصخور، تنكسر، ثم تعود. وعلى الرصيف المحاذي، تراقب وجوه العابرين الأفق الأزرق بحثاً عن ثغرة نفاذ. يحدث هذا وسط عتمة الكهرباء، وتآكل المعيشة، وهواجس الهجرة الصامتة. هذا الشغف بـ”التفكير الإيجابي” ليس ترفاً، بل هو محاولة غريزية لحماية الذات حين يغيب الأمان العام.
بيد أننا لسنا مراقبين من برج عاجٍ. أنا، كالكثيرين هنا، جزء من هذاالحطام، أعيش حيرة يومية بين أمنيات واهمة وقناعات فاعلة. أعرف تماماً معنى أن تستيقظ صباحاً ولا تدري إن كانت طاقة البطاريات شحيحة الصنع ستكفي لإنجاز عملك، أو إن كانت أسعار السلع الأساسية ستقفز قبل أن تصل إلى المتجر مساءً. الأمل الواقعي وقود حيوي، والإشكال يبدأ حين يستحيل الأمل تخديراً يزعم أن البيئة الخارجية ستُصلح نفسها بالنيابة عنّا.
حين أتأمل مزارعاً جنوبياً يعيد غرس شتلاته في تراب لم يبرد بعد، أو طبيبة آثرت البقاء في مستشفى يستنزفه الشح، لا أرى فيهما مجرد مثالين على الصمود. إنهما مرآة تفضح تذبذبي الشخصي. هؤلاء يتحركون لعلمهم أن الفعل الصغير يُحدث فارقاً. ومن يؤمن بامتلاكه هامشاً للمبادرة يستوعب الضغط بكفاءة أعلى ممن يستسلم للشلل الكامل.
غير أن هذه النماذج ليست القاعدة دائماً، فالأزمات الطويلة تترك في النفوس أثراً أعمق بكثير. ماذا لو كان أخطر ما ينجزه الانهيار ليس إفلاس الجيوب، بل إفلاس الإرادة؟
أخطر ما تفعله الأزمات الممتدة أنها تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته. فبعد توالي النكبات، يتسرب إلى النفوس ما يسميه عالم النفس مارتن سيليغمان “العجز المتعلَّم”. وهي حالة ينكفئ فيها المرء عن المحاولة لأن تراكم الخيبات أقنعه بأن جهده هباء. أعرف أشخاصاً في داذرتي القريبة فقدوا القدرة على التخطيط لشهر واحد. لم يكن ذلك كسلاً، بل لأن الواقع علّمهم أن الخُطط تولد ميتة.
لكن الإنسان يستجيب بصورة مختلفة حين يشعر بقدر—ولو ضئيل—من السيطرة على مصيره. هنا تنخفض حدة التوتر المزمن، بينما تُضخِّم قناعة العجز سوداوية اللحظة. لذا فإن استرداد الإيمان بالقدرة على الفعل هو شكل من أشكال المقاومة الوجدانية. إنه يسلب الأزمة أثمن انتصاراتها: إقناعنا بأننا بلا أثر.
ليست كل المعاناة متشابهة. فالإنسان لا ينكسر بثقل المعاناة وحدها، بل بغياب المعنى منها. وما إن يعثر على مبرر لوجوده، حتى يغدو قادراً على ترويض المستحيل.
ومع ذلك، ثمة شَرك يقتضي أعلى درجات اليقظة. فخطاب “المرونة الفردية”، والمطالبة الدائمة للضحية بالتحمل، ينزلق أحياناً إلى تفاؤل قاسٍ يحوّل الأزمة البنيوية إلى مسؤولية نفسية شخصية. يتبدى هنا ما وصفه عالم الاجتماع بيار بورديو بـ”العنف الرمزي”، حيث تتبنى الضحية المسؤولية عن وضع مفروض عليها بنيوياً، وتُعقلن هيمنة النظام كأنه قصور شخصي.
فلا يكفي أن نطالب الموظف المنهك، أو المعلم، أو الممرضة بمزيد من الصبر والتأقلم بينما تظل أسباب الانهيار البنيوي على حالها. حين يصبح الصمود واجباً أخلاقياً مسلطاً على الرقاب، يتحول الاحتجاج إلى خطيئة.
المجتمع لا يحتاج رعايا متمرسين في تجرع الضربات بصمت، بل مواطنين يرفضون أن يصير البؤس قدراً مبرماً. فالمرونة التي تفتقر إلى أفق نقدي يطالب بالإصلاح والمحاسبة ليست سوى تواطؤ مضمر مع الواقع المأزوم.
وهنا يتجلى الدرس الأعمق: أن نملك وعياً نقدياً يرى فداحة الواقع دون تجميل، وفي الوقت نفسه إرادة عنيدة ترفض الشلل. ومن هذا الجسر ننتقلمن الخلاص الفردي إلى الفاعلية الجماعية. المعركة ليست في قدرة الفرد على النجاة منفرداً، بل في إيماننا المشترك بأننا قادرون معاً على صياغة الفارق. وربما لهذا بقيت الحواضر اللبنانية ولّادة للمبادرات الأهلية وشبكات التضامن كلما غابت المؤسسات.
هذا هو الأمل الجذري: ألا نملك ضمانات قطعية للمستقبل، لكننا نرفض فكرة أن التاريخ قد أُغلق خلفنا. الأفكار لن توقف التضخم، لكنها تحسم كيف نعيش يومنا. السر في توازن دقيق بين السعي والقبول: أن نقبل قسوة اللحظة دون الانقياد لها، ونعمل لتغييرها ولو بخطوات صغيرة—صون مهارة، مساندة جوار، أو إبقاء منبر ثقافي حياً.
المنارة لا تمنع العاصفة، لكنها تمنع السفن من التيه التام. وكذلك هذا الأمل: يحمي البوصلة الداخلية من الضياع. نحن لا ننتظر الضوء… نحن نصنعه.
