
بقلم ياسمين شعبان
تتجه الأنظار إلى مسار العلاقات اللبنانية–التركية في ظل الحراك الدبلوماسي المتسارع بين بيروت وأنقرة، بدءًا من زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا، وصولًا إلى الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي تأتي بعد محطته في واشنطن. هذا التسلسل الزمني أعاد طرح تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا تستعد للعب دور أوسع في لبنان يتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي، أم أن الأمر يندرج ضمن سياسة الانفتاح الاقتصادي في مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق، رأى الباحث صهيب الجوهر، في حديثٍ لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أن ما يجري اليوم يشير إلى بداية انتقال تركي من التعاون الاقتصادي التقليدي إلى حضور سياسي أكثر وضوحًا، وإن كان لا يزال بعيدًا عن مستوى النفوذ المباشر. وأوضح أن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لم تقتصر على ملفات التجارة والاستثمار، بل تناولت أيضًا الأمن الإقليمي، والعلاقة اللبنانية–السورية، وسبل حماية استقرار لبنان في ظل التصعيد الإسرائيلي، معتبرًا أن الاقتصاد يشكل المدخل الأساسي للدور التركي، لكنه ليس سقفه النهائي.
وأشار الجوهر إلى أن أنقرة تعمل على بناء نفوذها السياسي عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس من خلال إنشاء حلفاء محليين أو رعاية محور سياسي جديد. وقال إن تركيا تسعى إلى توظيف استثماراتها وعلاقاتها الاقتصادية لتعزيز قنوات التواصل مع رئاسة الجمهورية والحكومة والمؤسسات الأمنية، وتقديم نفسها كشريك قادر على دعم لبنان سياسيًا واقتصاديًا. وأضاف أن الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى أنقرة ستنقل العلاقة من مستوى التواصل مع الحكومة إلى شراكة أوسع مع الدولة اللبنانية بمختلف مؤسساتها.
وعن ارتباط هذا الدور بالتحولات الإقليمية، اعتبر الجوهر أن الحضور التركي يتقدم في ظل تراجع النفوذ الإيراني، وانكفاء الدور السوري التقليدي، وارتفاع مستوى التهديدات الإسرائيلية في كل من لبنان وسوريا. وأوضح أن أنقرة تنظر إلى أمن البلدين باعتباره جزءًا من أمنها القومي، وتسعى إلى منع إسرائيل من الانفراد برسم التوازنات الجديدة في المشرق، بالتوازي مع تثبيت نفوذها في سوريا وفتح امتداد سياسي واقتصادي نحو لبنان وشرق المتوسط. لكنه شدد على أن تركيا لا تسعى إلى الحلول مكان السعودية أو الولايات المتحدة، بل إلى تثبيت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
وفي ما يتعلق بتوقيت زيارة الرئيس عون إلى أنقرة بعد زيارته للولايات المتحدة، رأى الجوهر أن هذا الترتيب يمنحها أبعادًا تتجاوز مجرد تنويع الشراكات الاقتصادية. وأوضح أن الرئيس اللبناني سينتقل من البحث مع واشنطن في الضمانات السياسية والأمنية إلى مناقشة الدور الإقليمي الذي يمكن أن تؤديه تركيا، لا سيما في ملفات العلاقة مع سوريا، وأمن الحدود، ودعم الجيش اللبناني، وتعزيز الاستقرار الداخلي.
وختم الجوهر بالإشارة إلى أن هذه الزيارة يمكن قراءتها ضمن إطار توزيع أدوار دولي وإقليمي، تكون فيه الولايات المتحدة المرجعية الأساسية للمسار السياسي والأمني، فيما تؤدي تركيا دورًا مساعدًا في الملف السوري–اللبناني وفي مشاريع الاقتصاد وإعادة الإعمار، مؤكدًا أن هذا الدور لن يكون مفتوحًا، بل سيبقى منضبطًا ومكمّلًا للأدوار العربية والدولية
