
خاص – ديموقراطيا نيوز
أثار البيان الصادر عن مكتب النائب ستريدا جعجع، ردًا على ما نُشر حول مشروع تحويرة بقرقاشا وتأهيل أجزاء من الطريق المؤدية إلى بشري، نقاشًا جديدًا لم يقتصر على المشروع نفسه، بل امتد إلى آلية إعداد الكلفة التقديرية للمشاريع العامة ودور الجهات الرسمية في إدارة المال العام.
فالبيان سعى إلى نفي مسؤولية النائب ستريدا جعجع عن الأرقام المتداولة، موضحًا أن التقديرات الأولية يضعها مجلس الإنماء والإعمار، وأن الكلفة النهائية لا تُحدد إلا بعد استكمال الدراسات الفنية وإجراء المناقصة، معتبرًا أن الحديث عن “فضيحة” يستند إلى قراءة خاطئة للآليات القانونية والإدارية.
غير أن هذا التوضيح، وإن حصر المسؤولية بالإدارة المختصة، لم يُجب عن السؤال الذي يشغل الرأي العام: كيف يمكن أن تشهد الكلفة التقديرية لمشروع عام فروقات كبيرة بين مرحلة وأخرى؟ وإذا كانت الأرقام الأولية مجرد تقديرات قابلة للتعديل، فما هي المعايير التي يعتمدها مجلس الإنماء والإعمار عند وضعها، وما هو هامش الخطأ المقبول في مثل هذه الدراسات؟
وفي الواقع، فإن البيان لم ينفِ وجود فروقات بين التقديرات، بل أوضح أنها نتيجة طبيعية لمسار إعداد الدراسات واستكمال إجراءات التلزيم. إلا أن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول مدى دقة التقديرات الأولية، خصوصًا أن إعدادها يصدر عن مؤسسة تمتلك خبرة طويلة في تنفيذ المشاريع الإنمائية، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كانت هذه الفروقات تعكس تطورًا طبيعيًا في الدراسات، أم خللًا في آلية احتساب الكلفة منذ البداية.
وتتجاوز القضية، في نظر كثيرين، حدود السجال السياسي بين الجهات المختلفة، لتلامس مسألة إدارة المال العام والشفافية في إعداد المشاريع. فالمواطن، في ظل الانهيار الاقتصادي والضغوط المالية التي تعيشها الدولة، لا يكتفي بمعرفة الجهة غير المسؤولة، بل ينتظر توضيحًا من الجهة المسؤولة عن كيفية احتساب الاعتمادات الأولية، والأسباب التي تؤدي إلى تعديلها بهذا الحجم.
ويطرح ذلك أيضًا نقاشًا حول الأولويات الإنمائية للدولة اللبنانية في هذه المرحلة. ففي وقت لا تزال فيه قطاعات أساسية، كالكهرباء والمياه والبنى التحتية والخدمات العامة، تعاني أزمات مزمنة، يبرز سؤال مشروع حول كيفية ترتيب الإنفاق العام، وما إذا كانت المشاريع المطروحة تنسجم مع الحاجات الأكثر إلحاحًا للمواطنين.
وفي المحصلة، قد يكون البيان قد نقل مسؤولية تحديد الكلفة إلى مجلس الإنماء والإعمار، ويبقى للرأي العام أن يحكم على مدى كفاية هذا التوضيح. إلا أن أي مشروع ممول من المال العام لا يمكن اختزال مسؤوليته بجهة واحدة، إذ تبقى الإدارة مسؤولة عن دقة الدراسات والتقديرات، فيما تتحمل القوى السياسية التي تتبنى المشروع وتدافع عنه مسؤولية الرقابة والمساءلة، لا سيما عندما ترفع شعار مكافحة الفساد والهدر. فهل يقتصر هذا الدور على نفي المسؤولية عند كل جدل، أم أنه يبدأ بالسؤال عن أسباب الفروقات الكبيرة في الكلفة، والمطالبة بتوضيحات ومحاسبة الجهات المعنية؟ وإن لم يحصل ذلك، فما الذي يميّز هذا النهج عن الممارسات التي انتقدتها هذه القوى نفسها لسنوات تحت عنوان حماية المال العام؟
