
بقلم الياس عيسى الياس
تترددُ في أروقةِ الأدب حكايةٌ يُقال إنها جرت أحداثُها في عشرينيات القرنالماضي، وتتكرر بصيغٍ مختلفة عن أكثر من ساخر عبر التاريخ، بل إنهاتتقاطع روحًا مع أسطورة “باغلياتشي”—المهرج الأوبراوي الذي يطليوجهه بالفرح بينما يمزّق الانكسارُ قلبه.
قصدَ رجلٌ ينهكه الاكتئابُ عيادةَ طبيبٍ نفسي، بحثًا عن طوق نجاة. استمعَ الطبيبُ إلى أنينِ مراجعه، ثم قال له: «علاجك بسيط.. اذهب إلى المسرحواقرأ قصص الكاتب الساخر ميخائيل زوشينكو، فهو الكفيلُ بأن يُنسيكهمومَك». تنفس المريضُ الصُّعَداء، ونظر إلى الطبيب بعينين يملؤهماانكسارٌ عميق، وأجابه بصوت خافت: «ولكنني أنا زوشينكو!».
لا يهمّني، وأنا أعيدُ قراءةَ هذه الحادثة، ما إذا كانت وثيقةً وثّقها التاريخ، أمأسطورةً ابتكرها الخيال. ما يعنيني حقًا هو هذا الجرحُ المفتوح: كيف يمكنلمن يملك كل هذه الشجاعة في مواساة الآخرين، أن يقف أعزل كليًا أمامخرابه الشخصي؟
تحضرني هنا تلك الحكمةُ التي تتردد كثيرًا وتُنسب إلى ألبرت هوبارد: «البارعون في إسعاد الآخرين غالبًا ما يفشلون في مواساة أنفسهم». لمتكن السخرية بالنسبة إلى زوشينكو مجرد خيارٍ فني، بل كانت مساحةتحميه من القلق.
أراقبُ كيف يتحول القلمُ لدى الكاتب إلى حيلةٍ ينطلي بها على قلبه؛ يرسمُ البسمةَ على وجهِ قارئٍ غريب، ليقنعَ نفسه بالدرجة الأولى بأن الحياة مازالت صالحةً للعيش، ويكتبُ العزاءَ للناس برغبةٍ مضمرة في أن يمتد شيءٌ منه ليمسّه.
لكن، كيف يطيق الإنسانُ كل هذا الانقسام؟ كيف يُبدع في ضخّ الحياة فيالآخرين، بينما يتهاوى هو من الداخل؟
قد يبدو الأمرُ من بعيد احترافيةً عالية؛ يُتقن المبدع دورَه، يُبهج الجمهور، ويكتب النصّ الرصين. لكنني أراه خيارًا وجوديًا.
فحين تضطرب حياته الشخصية، يصبح النصّ أو اللوحة المساحة الوحيدةالتي يمسك فيها بمقاليد الأمور. الحزنُ في بيته يربكه، أما الإبداع فيمنحهوهم السيطرة. إنه لا يهربُ من العمل كي يستريح، بل يهربُ من حياته برُمّتهاليحتمي بالعمل.
وحين يُغلق الكاتبُ باب حزنه ليجلس أمام نصّه، فهو يمارس نوعًا من “العزلالانفعالي”. هذه القدرة العقلية ليست شجاعة بقدر ما هي استهلاكٌ لما تبقىمن عصبه.
وعندما ينتهي النص وتُطفأ الأنوار، يُفتح باب تلك الغرفة المظلمة مجددًا، فيجد الكاتب نفسه أضعف بكثير مما كان عليه قبل أن يبدأ.
وليست هذه الظاهرة غريبة، بل ألمحها لدى الكثيرين عبر التاريخ. أتذكرُ شارلي شابلن، الذي أضحك الملايين بشخصية “الصعلوك” بينما كانتحياته الخاصة بركةً من المآسي والوحدة.
وعلى المنوال ذاته، وصولًا إلى عصرنا الحديث، يقف الفنان روبن وليامزكشاهدٍ آخر على القسوة نفسها؛ هذا الرجل الذي طالما أشاع الأمل فيأرواح الناس، ثم انتهى وحيدًا في مواجهة ظلامه الداخلي، ليرحل ويتركنافي ذهولٍ وتساءل حول كيفية غرق من كان يعلّم الجميع العوم.
وكثيرًا ما ننسى، ونحن نُصفّق بحرارةٍ لما نراه على المسرح، أن الستارةتُسدل في النهاية على إنسانٍ مجهد، لا على شخصيةٍ متماسكة.
وربما يبدأ كل ذلك من توقعاتنا نحن. فالكاتب يرتدي، دون أن يدري، قناع”المنقذ”، ويصدّقُ أن عليه أن يكون مصدر القوة للجميع، حتى ينسى حقالشكوى، أو يُحرم منه.
ينفقُ طاقته في صياغة الأمل للآخرين، حتى إذا خلا بنفسه وجد خزينهالعاطفي قد نضب، وصار قلبه منهكًا. أضف إلى ذلك أن وعيه الحادوحساسيته يتحولان إلى مجهر يضخم جراحه الذاتية، فلا تعود تجدي معهاالكلمات التشجيعية البسيطة.
الإبداع ليس برهانًا على سعادة صاحبه. إنه في كثيرٍ من الأحيان صرخةاستغاثة أنيقة، ومحاولة لزرع الورد في حديقة الجيران، عسى أن يتسللشذاه إلى الغرفة التي يجلس فيها الكاتب وحيدًا.
إنه حال صُنّاع الضوء؛ يتركون أنفسهم للظلام، ممتنّين لو أن يدًا واحدة تمتدلتلمس أيديهم بحنان… دون أن تنتظر منهم عرضًا آخر من الضوء.
