
بقلم إحسان الطبش
لم تعد الأبنية الآيلة للسقوط في لبنان مجرد مشهد من شوارع قديمة أو ملف مؤجل على طاولات الإدارات. ففي شباط الماضي، شهدت منطقة باب التبانة في طرابلس انهيار مبنى قديم، أسفر عن سقوط 14 ضحية، فيما كشفت المعطيات لاحقاً عن استمرار وجود عشرات الأبنية المهددة بالانهيار في المدينة. وفي تموز، أشارت بلدية طرابلس إلى وجود نحو 105 مبانٍ تستوجب الإخلاء الفوري.
اليوم، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن من بيروت: هل يمكن أن تتكرر المأساة في العاصمة؟
التحذير أطلقه رئيس قوة العمل اللبنانية لمكافحة الفساد لؤي غندور، الذي دعا الحكومة والعهد إلى التحرك سريعاً لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط في بيروت، محذراً من انتظار وقوع كارثة، خصوصاً مع المخاطر التي قد تفرضها الظروف المناخية والكوارث الطبيعية.
لكن هل تملك بيروت خطة فعلية للتعامل مع هذا الخطر؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير في معالجة الملف؟
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، ترى المهندسة المعمارية والناشطة السياسية والاجتماعية رشا عيتاني أن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين، بل في توزع المسؤوليات بين جهات عدة من دون وجود جهة واحدة تتحمل مسؤولية النتيجة النهائية.
وبحسب عيتاني، فإن التعامل مع الأبنية الخطرة لا يزال يميل إلى معالجة كل حالة على حدة، بدل اعتماد سياسة شاملة تبدأ بمسح الأبنية القديمة والمتصدعة، وتصنيفها وفق مستوى الخطورة، ثم تحديد أولويات التدخل والجهة المسؤولة عن كل حالة.
وترى أن معالجة الملف تتطلب تعاوناً بين الدولة المركزية وبلدية بيروت والمحافظة والجهات المختصة، إلى جانب دور رقابي وتشريعي من مجلس النواب، فيما تبقى مسؤولية أصحاب العقارات أساسية في صيانة أبنيتهم وتدعيمها.
من يتحمل المسؤولية؟
لا تضع عيتاني المسؤولية على طرف واحد. فالدولة، بحسب رؤيتها، مطالبة بوضع إطار واضح للمسح والتمويل والتدخل، بينما تقع على البلدية والمحافظة مسؤولية مباشرة في المعاينة واتخاذ الإجراءات اللازمة في الحالات التي تشكل خطراً على السكان.
أما مجلس النواب، فتعتبر أن دوره لا يجب أن يقتصر على عقد جلسات لمناقشة الملف، بل أن يتحول النقاش إلى آليات تنفيذية وتمويل وجدول زمني واضح.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء أصحاب الأبنية من مسؤوليتهم، خصوصاً أن صيانة العقار والحفاظ على سلامته تقع أساساً على عاتق المالك. إلا أن الواقع يصبح أكثر تعقيداً عندما يكون المبنى مملوكاً من أشخاص كثر، أو عندما يعجز المالكون عن تحمل كلفة الترميم والتدعيم.
وهنا، تتحول القضية من ملف هندسي وقانوني إلى ملف اجتماعي أيضاً، إذ إن بعض السكان قد لا يملكون القدرة المالية على ترميم منازلهم أو الانتقال منها إذا أصبحت غير آمنة.
كيف نعرف أن المبنى مهدد بالسقوط؟
من الناحية الهندسية، توضح عيتاني أن وجود تشققات في المبنى لا يعني بالضرورة أنه آيل للسقوط، كما لا يمكن تقييم سلامته من خلال النظر إلى الواجهة فقط.
وتشير إلى أن الكشف الصحيح يجب أن يشمل العناصر التي تحمل المبنى، ومنها الأعمدة والجسور والجدران والأساسات، إضافة إلى التحقق من وجود هبوط أو تآكل أو رطوبة وتسرب للمياه، فضلاً عن أي تعديلات أو مخالفات قد تكون أثرت على النظام الإنشائي.
وبعد الكشف، يتم تحديد مستوى الخطورة، لمعرفة ما إذا كان المبنى يحتاج إلى صيانة أو تدعيم عاجل، أو إلى إخلاء، وصولاً إلى الهدم في الحالات التي لا يعود فيها المبنى صالحاً وآمناً.
لكن المشكلة الأساسية، وفق عيتاني، أن بيروت لا تملك حتى اليوم قاعدة بيانات هندسية شاملة ومحدثة لجميع أبنيتها، مصنفة وفق درجة الخطورة.
وتشير إلى وجود مسوحات ومبادرات سابقة، لكنها لا تكفي، برأيها، لإعطاء صورة كاملة عن واقع العاصمة. والمطلوب هو خريطة مخاطر واضحة تحدد الأبنية المهددة، مستوى خطورة كل منها، وعدد السكان المعرضين للخطر.
الشتاء أمام بيروت… هل ننتظر كارثة جديدة؟
مع اقتراب موسم الأمطار، تصبح سرعة التدخل عاملاً أساسياً في الحد من المخاطر. وفي هذا السياق، تدعو عيتاني إلى البدء بكشف سريع للأبنية القديمة والمتصدعة، ولا سيما تلك التي سبق أن أثيرت بشأنها مخاوف أو شكاوى.
وفي الحالات التي يثبت فيها وجود خطر على السكان، ترى أن الإخلاء يجب أن يتم من دون انتظار تفاقم الوضع، بالتوازي مع تنفيذ تدعيمات مؤقتة للأجزاء الخطرة إلى حين معالجة المشكلة بشكل نهائي.
كما تشدد على ضرورة معالجة تسربات المياه وتصريف الأمطار، خصوصاً في الأبنية القديمة، لأن استمرار تسرب المياه يمكن أن يزيد من تدهور بعض العناصر الإنشائية.
لكن التدخل الطارئ وحده لا يكفي. فالحل، وفق عيتاني، يحتاج إلى إنشاء سجل موحد للأبنية الخطرة في بيروت، يصنفها بحسب مستوى الخطورة، ويربط كل مبنى بجهة مسؤولة عن متابعته وموعد محدد للتدخل.
بين تحذير بيروت ومأساة طرابلس
ما حصل في طرابلس جعل خطر الأبنية القديمة أكثر من مجرد تحذير. فبعد انهيار مبنى باب التبانة وسقوط الضحايا، بقيت عائلات أخرى في المدينة تواجه الخطر نفسه، مع وجود أبنية تحتاج إلى الإخلاء الفوري.
وفي بيروت، حيث تنتشر الأبنية القديمة في عدد من الأحياء، لا يبدو الانتظار خياراً آمناً. فالمطلوب ليس معرفة عدد الأبنية المهددة بعد وقوع الانهيار، بل تحديدها قبل ذلك، وتصنيف المخاطر والتدخل في الوقت المناسب.
وبين تجربة طرابلس والتحذيرات المتكررة في بيروت، يبقى الاختبار الحقيقي أمام الجهات المعنية: هل تبدأ المعالجة قبل أن تتحول الأبنية الآيلة للسقوط من خطر معروف إلى مأساة جديدة؟
