لن تُسبى زينب مرتين: حين تتحول الذاكرة إلى سياسة

بقلم الياس عيسى الياس
 
تستعيد المنصات الإعلامية ومنابر التعبئة المقربة من حزب الله هذه الأيام، بالتزامن مع السجال المحتدم حول قرارات حصر السلاح والاستحقاقات المرتبطة بالحدود، شعار “لن تُسبى زينب مرتين”.
 
في كل مرة أستمع فيها إلى هذا الشعار أتوقف عنده؛ فهذه ليست مجرد عبارة قيلت في مناسبة، بل هي نداء يلمس أعمق ما في الذاكرة والحزن لدى المواطنين الشيعة. لكن ما يؤرقني ككاتب رأي ومواطن يعيش هذا الترقب اليومي هو كيف يتحول هذا الرمز الإنساني الرفيع إلى مرجعية تُحدد الخطر، وتستبق النقاش المؤسساتي حوله.
 
إن المسألة هنا لا تتعلق بمساءلة العقيدة الدينية أو إنكار حق أي جماعة في الاحتفاظ برصيدها الوجداني وحزنها التاريخي؛ فكل المكونات تحمل ذاكرتها ورموزها، بل تبدأ المشكلة عندما تغادر هذه الذاكرة مجالها الشعائري لتتحول إلى تفويض سياسي يتقدم على المؤسسات الجامعة.
 
تستمد العبارة معناها من الذاكرة التي خلّفتها واقعة كربلاء سنة 61 للهجرة، حين اقتيدت السيدة زينب بنت علي مع نساء أهل البيت وأطفالهم بعد مقتل الإمام الحسين من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى دمشق. ومنذ ذلك الحين، استقرت صورة السبي في الذاكرة الشيعية بوصفها رمزاً للكرامة التي لم تنكسر أمام بطش السلطة، وللكلمة التي واجهت الجريمة في مجلس يزيد بن معاوية.
 
وظلت هذه الصورة حاضرة أساساً في المجال الشعائري لترميم الذات وتأكيد الهوية، قبل أن تُستدعى بصورة مكثفة إلى خطاب الحرب والتعبئة العابرة للحدود.
 
مع تصاعد القتال في سوريا منذ عام 2012، برز الشعار بقوة في الخطاب التعبوي المرتبط بتدخل حزب الله وحلفائه هناك، حيث شكل الدفاع عن مقام السيدة زينب أحد العناوين المركزية لتعبئة المقاتلين، إلى جانب تشكيلات مسلحة مثل “لواء أبي الفضل العباس”، وهو تشكيل عراقي المنشأ.
 
استدعى حزب الله الرمز ليمنح المعركة إطاراً أخلاقياً وعاطفياً، متقدماً على النقاش السياسي حول خلفيات القتال وأثمانها، ومقدماً المواجهة أمام جمهوره بوصفها واجباً وجودياً لحماية الرمز ومنع تكرار “السبي الأول”.
 
ولم يقتصر هذا المسار على الخطاب السياسي المباشر، بل أسهمت المادة السمعية والبصرية في نقل الشعار إلى الذاكرة اليومية للجمهور، عبر أناشيد حماسية لعبت دور المضخّم للتعبئة من خلال دمج الذاكرة الحزينة باللغة القتالية.
 
لا يجوز لأحد أن ينكر أن التهديد الأمني في تلك اللحظة كان حقيقياً؛ من استهداف محيط المقام بالصواريخ والمدفعية، إلى خطر الفصائل التكفيرية والسيارات المفخخة التي ضربت العمق اللبناني. غير أن واقعية التهديد وقصور قدرات الدولة حينها عن المواجهة وحدها لا يمنحان فصيلاً حق مصادرة قرار الحرب ونقله من مؤسسات الدولة إلى الإرادة المنفردة، بل يؤكدان الحاجة إلى بناء قدرة رسمية حامية لكل المواطنين.
 
ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 واختفاء الساحة الأصلية للشعار في دمشق، أُعيد توظيف هذا الرمز في الداخل اللبناني، ما أسهم في إبقاء الجمهور في حالة تأهب واستنفار دائم؛ فتراجع السؤال المؤسساتي أمام هواجس الوجود.
 
وهنا نعود إلى السؤال المحوري: من يملك حق تعريف الخطر؟ ومن يملك اتخاذ قرار الحرب والسلم؟
 
إن الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 65 منه، لا يترك هذه المسألة في منطقة رمادية: فمجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية، والقوات المسلحة تخضع لسلطته، كما أن قضايا الحرب والسلم تتطلب موافقة ثلثي أعضاء الحكومة المحددين في مرسوم تشكيلها.
 
غير أن الواقع السياسي كشف عن فجوة بين النص والممارسة؛ تجلت في قرار فتح جبهة الإسناد في تشرين الأول 2023 دون قرار من مجلس الوزراء، أو في الاستناد إلى صيغ كعبارة “الجيش والشعب والمقاومة” لتغطية القرار الميداني.
 
وهو ما حاولت القرارات الحكومية المتعاقبة في عام 2025 تصحيحه عبر تأكيد حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.
 
ليست أهمية النص الدستوري قانونية فقط، بل تتصل بفكرة سياسية أعمق: في الدولة الحديثة، لا تكفي ذاكرة الجماعة وحدها لتعريف الخطر العام؛ فتعريف الخطر الذي يستدعي استخدام القوة يجب أن يمر عبر المؤسسات الجامعة.
 
ومن هنا، فإن نشوء خطاب يمنح حزباً حق تحديد الحرب والسلم بمعزل عن الآلية الدستورية يضع جوهر الدولة أمام سؤال صعب: كيف تستقيم السيادة إذا أصبح تعريف الخطر وقرار مواجهته خارج المؤسسات الجامعة؟
 
لنستعد السيدة زينب من أروقة الصراع السياسي إلى معناها الإنساني والأخلاقي الأول: السيدة زينب التي خرجت من فاجعة السبي لتواجه الاستبداد وتحفظ الكرامة، لا لتكون عنواناً لانقسام سياسي. فالمشكلة ليست في أن تحمل الجماعات ذاكرتها، بل في أن تتحول الذاكرة إلى تفويض دائم يحل محل القانون.
 
وإذا كان لبنان يطمح إلى الانتقال من وطن تتجاور فيه الهواجس إلى دولة يتساوى فيها المواطنون، فإن حماية كل مكون، بمن فيهم المواطنون الشيعة، تبدأ من التوافق على استراتيجية دفاعية وطنية تجعل الجيش المؤسسة الحامية الوحيدة، وتكون فيها الدولة المرجع الأول والأخير.
 
وعلى الدولة في المقابل أن تقدّم ما يطمئن الناس فعلاً: جيشاً منتشراً يحمي الحدود، وإعماراً عادلاً، وعودة آمنة للنازحين.
 
عندها فقط لا يعود أحد بحاجة إلى ترديد التعهد بأن زينب لن تُسبى مرتين، لأن الدولة التي تصون كرامة مواطنيها لا تسمح بأن يتحول خوف الماضي إلى قدر يحكم المستقبل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top