
بقلم ملاك الصميلي
في وقت تتكثف فيه الزيارات الرسمية والدولية إلى طرابلس، وتتجه الأنظار مجدداً إلى مقومات المدينة الاقتصادية والتراثية، برزت زيارة المدير العام لليونسكو الدكتور خالد العناني إلى معرض رشيد كرامي الدولي كإشارة إلى اهتمام دولي متجدد بهذا الصرح المصنف على لائحة التراث العالمي.
إلا أن أهمية المرحلة، وفق عضو مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي ليلى تيشوري، لا تكمن في الزيارات بحد ذاتها، بل في القدرة على تحويل هذا الاهتمام إلى مسار تنفيذي واضح، يحافظ على المعرض ويعيد تفعيله، ضمن رؤية أوسع لطرابلس والشمال.
وفي حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أكدت تيشوري أن زيارة العناني “تشكل محطة مهمة”، كونها تؤكد أن المعرض يحظى باهتمام دولي جدي ومتابعة على أعلى المستويات، لكنها شددت على ضرورة النظر إليها كجزء من مسار متكامل يقود إلى التنفيذ، وليس باعتبارها إعلاناً بحد ذاتها عن بدء التنفيذ.
وأوضحت أن العمل يتركز حالياً على استكمال المتطلبات الفنية والإدارية والهندسية، وتحديد الأولويات والمراحل بصورة واضحة، بما يسمح بالانتقال المنظم من التخطيط إلى التنفيذ وفق المعايير الدولية، وبما يحافظ على القيمة الاستثنائية للمعرض.
وتكشف تيشوري أن العمل يجري على مسارين متوازيين ومتكاملين: الأول يتعلق بحماية المعرض وترميم منشآته وتأهيلها بما يحافظ على خصوصيته المعمارية وقيمته التراثية العالمية، فيما يتمثل الثاني في وضع رؤية استراتيجية واستثمارية متكاملة لإعادة تفعيل المعرض اقتصادياً وثقافياً وسياحياً.
أما التمويل والجداول الزمنية، فتشير إلى أن الإعلان عن أرقام أو مواعيد محددة لا يزال مبكراً قبل استكمال الدراسات والقرارات الرسمية، لافتة إلى أن الأولوية تتمثل في تحديد المشاريع والكلف ومراحل التنفيذ ومصادر التمويل، تمهيداً لإعلان جداول زمنية واقعية ومسؤولة.
وتؤكد تيشوري أن مسار الترميم والمسار الاستراتيجي يسيران بالتوازي، بهدف حماية إرث المعرض الذي صممه المعماري العالمي أوسكار نيماير، ومنحه في الوقت نفسه “حياة جديدة ووظائف معاصرة” تجعله مجدداً رافعة ثقافية وسياحية واقتصادية لطرابلس ولبنان.
وعن العلاقة مع اليونسكو، توضح تيشوري أن هناك تعاوناً وثيقاً ومستمرّاً، خصوصاً على المستوى الفني والاستشاري، معتبرة أن مكانة المعرض على لائحة التراث العالمي تفتح المجال أمام التواصل مع المؤسسات والصناديق والجهات الدولية المهتمة بحماية التراث والتنمية.
وفي ما يتعلق ببقائه على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، تلفت إلى أن الخروج منها لا يتحقق من خلال أعمال ترميم منفصلة، بل يحتاج إلى معالجة متكاملة تشمل الحفظ والترميم والإدارة والصيانة الدورية وحماية العناصر المعمارية والمشهد العام، إلى جانب إيجاد استعمال مستدام ومتوافق مع القيمة التراثية للموقع.
وفي قراءة أوسع للمشهد الطرابلسي، تعتبر تيشوري أن الاهتمام الرسمي الحالي لم يعد محصوراً بمشروع أو قطاع واحد، بل بات يشمل مجموعة من المقومات الاستراتيجية، من مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة إلى المنشآت النفطية والمطار ومعرض رشيد كرامي الدولي.
وتشدد على أن “القيمة الحقيقية تكمن في ربط هذه المشاريع ببعضها”، معتبرة أن نجاحها كمنظومة متكاملة يمكن أن يؤسس لدورة اقتصادية وتنموية جديدة في طرابلس والشمال.
وتطرح في هذا السياق رؤية تقوم على ربط المرفأ والمنطقة الاقتصادية والمنشآت النفطية والمصفاة ومطار القليعات ومعرض رشيد كرامي الدولي، إلى جانب شبكات النقل والبنية التحتية، ضمن منظومة واحدة تقوم على اللوجستيات والتجارة والصناعة والطاقة والاستثمار والسياحة والثقافة واقتصاد المعرفة.
وفي ما يشبه خارطة طريق للمرحلة المقبلة، ترى تيشوري أن المطلوب هو الانتقال من مرحلة الاهتمام والتخطيط والتنسيق إلى مرحلة التنفيذ التدريجي والمنظم.
وتقول إن المواطن الطرابلسي يبدأ بلمس النتائج عندما تنتقل المشاريع من الدراسات والقرارات إلى المناقصات والورش والاستثمارات الفعلية، مشددة على ضرورة أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة ترجمة الاهتمام الرسمي والدولي إلى قرارات تنفيذية، ومشاريع ممولة، وجداول زمنية واقعية.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة لطرابلس، تبدو الرسالة الأبرز أن المدينة لا تفتقر إلى المقومات، بل تحتاج إلى جمعها ضمن رؤية واحدة وتحويلها من ملفات متفرقة إلى منظومة اقتصادية متكاملة، يكون معرض رشيد كرامي الدولي أحد أبرز ركائزها، بما يعيد لطرابلس دورها الثقافي والاقتصادي ويحوّل الاهتمام المتزايد بها إلى فرص واستثمارات وفرص عمل على أرض الواقع.
