التجارة إلى الضغط: كيف تحول الاقتصاد بين أبوظبي وطهران إلى ورقة ضغط؟

بقلم الياس عيسى الياس

قررت الإمارات بشكل مفاجئ تعليق كافة الأنشطة التجارية وتجميدالتعاملات المالية مع إيران «حتى إشعار آخر».
وفي حين حرصت الخارجية الإماراتية في بيانها على دحض الشائعاتالمتعلقة بطبيعة الدور الاقتصادي بين البلدين، جاء هذا التحرك حازماً ومربوطاً بشكل مباشر بالتصعيد الإقليمي الذي يهدد أمن المنطقة وسلامةالملاحة.
 
لا يعبر هذا التوجه عن مجرد إجراء إداري عابر، بل يمثل تحولاً كبيراً تستخدم فيه أبوظبي ثقلها المالي واللوجستي، سعياً لتوجيه رسالة حازمةلطهران بعدما أصبحت خطوط الملاحة وحركة السفن في الخليج عرضةلخطر مباشر.
 
وجاء هذا التطور عقب أحداث ميدانية متسارعة، كان أبرزها ما أعلنته وزارةالدفاع الإماراتية عن رصد صاروخين باليستيين استهدفا الملاحة البحرية، سقط أحدهما في المياه الإقليمية والآخر خارجها.
 
يضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية قرب مضيق هرمز، ما تسبب في أضرار مادية وارتباك واضح في حركة الشحن الإقليمية.
 
ولعقود طويلة، ظلت التجارة بين الطرفين تعيش في مساحة معزولة نسبياً عن الخلافات السياسية؛ إذ شكلت الموانئ الإماراتية البوابة الرئيسية لإعادة تصدير البضائع نحو السوق الإيرانية.
 
وبحسب التقارير الاقتصادية الرسمية، وصل حجم التبادل التجاري غيرالنفطي إلى مستويات قياسية تراوحت بين 27 و29 مليار دولار سنوياً، ماجعل الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران عالمياً بعد الصين.
 
لكن خطورة التهديدات البحرية جعلت القيادة الإماراتية تعيد تقييم هذه المعادلة بالكامل؛ حيث أصبحت حماية أمن الملاحة أولوية مقدَّمة على الأرباح والعوائد المباشرة، بعدما رأت أبوظبي أن تكلفة الاستمرار في الشراكة وسط هذا التصعيد تزيد بكثير عن خسائر التعليق المؤقت.
 
يمثل هذا الإجراء تعطيلاً لشريان تجاري ومالي حيوي لبيئة الأعمال الإيرانية، التي تعاني بالأساس ضغوطاً معيشية صعبة وتراجعاً حاداً فيقيمة العملة وارتفاعاً في التضخم.
 
ومن شأن التجميد أن يرفع مصاريف الاستيراد والتأمين داخل الأسواق الإيرانية، ويجبر التجار على البحث عن مسارات بديلة أكثر تعقيداً وكلفة، ليصبح تعثر المسار الخليجي عبئاً إضافياً يثقل كاهل الاقتصاد الإيراني.
 
كما تزامن القرار الإماراتي مع تصعيد أمريكي حاد، أعلن فيه الرئيس دونالد ترامب عن توجه لفرض حرب اقتصادية وعزلة غير مسبوقة على طهران عقب انتهاء مهلة الـ 60 يوماً للمفاوضات دون اتفاق.
 
ورغم خلو البيان الإماراتي من أي إشارة للتنسيق المباشر مع واشنطن، إلا أن التقاء الخطوتين يضاعف الضغوط على طهران.
 
ومع ذلك، تبقى المبادرة الإماراتية بمثابة “مقامرة محسوبة”؛ فخسارة سوق بهذا الحجم تشكّل ضربة مكلفة لقطاع الخدمات اللوجستية وتجارة إعادة التصدير في دبي وأبوظبي، فضلاً عن خطر فقدان حصص سوقية لصالح منافسين إقليميين أو شركاء آخرين كالصين إذا ما طال أمد هذا التعليق.
 
من هنا تجلى الذكاء في الصياغة الإماراتية، إذ أتاح اختيار عبارة «حتى إشعار آخر» مرونة كافية للمناورة وإعادة فتح الشرايين الاقتصادية إذا ما انخفض منسوب التوتر.
 
أما إذا استمر التصعيد، فإن الرسالة باتت جازمة: أمن الملاحة والمنشآت يقع على رأس الأولويات، والمساحة التاريخية التي فصلت بين التجارة والسياسة قد تلاشت تماماً.
 
لقد تحول الموقع اللوجستي للإمارات من مجرد مساحة محايدة للتبادل إلى أداة استراتيجية تُستخدم بصرامة لحماية الأمن القومي وإعادة رسم قواعد اللعبة في الخليج.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top