13 عامًا على تفجير مسجدي التقوى والسلام… جرح طرابلس ينتظر العدالة

بقلم ياسمين شعبان

ثلاثة عشر عامًا مرّت على تفجير مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، ولا يزال 23 آب 2013 حاضرًا في ذاكرة المدينة كواحد من أكثر أيامها دموية وقسوة. انفجاران لم تفصل بينهما سوى دقائق قليلة، كانا كفيلين بتحويل جمعة عادية إلى مجزرة تركت عشرات الشهداء ومئات الجرحى وجرحًا لم يُقفل حتى اليوم.

في ذلك اليوم، كان المصلون يغادرون المسجدين بعد صلاة الجمعة، قبل أن يهز الانفجار الأول محيط مسجد التقوى، ويتبعه بعد دقائق انفجار ثانٍ قرب مسجد السلام. وفي لحظات، تحولت الشوارع إلى مشهد من الدمار والدم والسيارات المحترقة، ودخلت صور ذلك اليوم إلى الذاكرة الجماعية لأبناء طرابلس.

لم يكن التفجيران مجرد حدث أمني عابر، بل وقعا في واحدة من أكثر المراحل حساسية في لبنان والمنطقة. كانت الحرب السورية في ذروتها، والانقسام اللبناني حولها يتصاعد، فيما كانت طرابلس تعيش جولات متكررة من الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن.

التحقيقات والملف القضائي وجّها الاتهامات إلى شبكة لبنانية مرتبطة بضباط في أجهزة الاستخبارات السورية، وبرز اسما محمد علي علي وناصر جوبان في القضية، ما أعطى الجريمة بعدًا سياسيًا وأمنيًا تجاوز حدود منفذيها المباشرين.

بالنسبة إلى طرابلس، لم يكن ذلك منفصلًا عن موقفها من الأحداث السورية. فالمدينة التي أظهرت تعاطفًا واسعًا مع الثورة السورية ومعارضة لنظام بشار الأسد وجدت نفسها في قلب تداعيات الصراع، ودفعت أثمانًا أمنية وسياسية واجتماعية كبيرة. كما أعاد التفجيران إلى ذاكرة أبنائها صفحات أقدم من علاقتها بالنظام السوري، ولا سيما أحداث باب التبانة في ثمانينيات القرن الماضي. لذلك، حمل 23 آب بالنسبة إلى كثيرين معنى يتجاوز الجريمة نفسها، ليصبح امتدادًا لذاكرة طويلة من العنف والخوف.

ثلاثة عشر عامًا مرّت، لكن السؤال الأساسي لم يتغير: أين أصبحت العدالة؟

شهد الملف ملاحقات ومحاكمات وأحكامًا بحق عدد من المتهمين، إلا أن شعورًا لا يزال قائمًا لدى عائلات الشهداء وأبناء المدينة بأن العدالة لم تصل إلى نهايتها، طالما أن كل من خطط وشارك وسهّل الجريمة لم يمثل أمام القضاء. واليوم، بعد سقوط نظام بشار الأسد وتبدّل المشهد في سوريا، يعود الملف إلى الواجهة من زاوية مختلفة، ومعه السؤال حول إمكان ملاحقة المتهمين الذين ارتبطت أسماؤهم بالأجهزة السورية، وما إذا كانت التحولات الجديدة قادرة على إزالة العوائق التي حالت طوال السنوات الماضية دون الوصول إليهم.

لكن مأساة طرابلس لم تنتهِ عند تفجير المسجدين. فالمدينة دفعت خلال السنوات اللاحقة أثمانًا إضافية، بعدما التصقت بها صورة التطرف والإرهاب، في وقت كانت فيه مناطق واسعة منها تواجه الفقر والبطالة والتهميش وغياب المشاريع التنموية. ودفع كثير من شبابها ثمن الصراعات الأمنية والسياسية التي دارت على أرضها، فيما بقي ملف الموقوفين الإسلاميين حاضرًا في النقاش السياسي والقضائي، وسط شعور لدى شريحة من أبناء المدينة بأنها دفعت وحدها فاتورة مرحلة كاملة.

وفي المقابل، بقيت الوعود بإنماء طرابلس أكبر بكثير من الإنجازات. تعاقبت الخطط والمشاريع والشعارات، فيما بقيت المدينة تسأل عن مرافقها العامة وفرص العمل لشبابها ودورها الاقتصادي وموقعها كعاصمة لبنان الثانية.

وفي كل 23 آب، تعود صور التقوى والسلام إلى الواجهة. تصدر البيانات، ترتفع المطالبات بالعدالة، تُستعاد أسماء الشهداء، ثم تنتهي الذكرى ويعود الملف إلى الانتظار.

بعد ثلاثة عشر عامًا، لم تعد طرابلس بحاجة إلى ذكرى موسمية بقدر حاجتها إلى إجابات واضحة. فدم الشهداء لا يحتاج إلى المزيد من التصريحات، بل إلى استكمال مسار قضائي يصل إلى كل من خطط ونفذ وسهّل وشارك في الجريمة.

والعدالة لطرابلس لا تتوقف عند حدود تفجير المسجدين، على مركزية هذه القضية، بل تبدأ أيضًا من التعامل معها كمدينة تمتلك مرفأً ومرافق وطاقات بشرية واقتصادية قادرة على النهوض بها إذا وُجد القرار الحقيقي للاستثمار فيها.

ثلاثة عشر عامًا على تفجير مسجدي التقوى والسلام، ولا تزال المدينة تتذكر. لكن الذاكرة وحدها لا تكفي. فجريمة بحجم 23 آب 2013 لا تصبح من الماضي لمجرد مرور السنوات، ولا يُقفل ملفها بانتهاء مراسم الذكرى.

بالنسبة إلى طرابلس، تبقى العدالة هي الخاتمة الوحيدة الممكنة لهذه المأساة، يوم يصل كل من شارك في الجريمة، من المنفذ إلى المخطط، إلى المحاسبة، ويشعر أهالي الشهداء أن دم أبناء المدينة لم يتحول إلى مجرد ذكرى تتكرر مرة كل عام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top