
كتب د. عبدالله بارودي
كثر في الآونة الأخيرة الكلام والتحليلات حول الحرب الدائرة في المنطقة، والنتائج التي تحققت حتى الآن وما يمكن أن تؤول إليه في نهايتها. وبينما تتعدد القراءات، يبدو أن بعضها يتأثر بالانتماءات السياسية أكثر مما يستند إلى قراءة واقعية لمجريات الحرب وتداعياتها.
في الحروب الحديثة، تبدأ العمليات عادةً باستهداف منظومة الدفاع والقيادة والسيطرة، ثم الانتقال إلى مخازن الأسلحة والمنشآت العسكرية ومصادر الإمداد والتمويل. وإذا نجحت هذه العمليات، تصبح قدرة الطرف المستهدف على المبادرة وإدارة المعركة أضعف بكثير.
وبالنظر إلى مسار الحرب، يمكن القول إن المحور الإيراني تعرض لخسائر كبيرة على مستويات عدة، سواء قدراته العسكرية أو قياداته أو شبكة الإمداد أو الاجواء المكشوفة والتمدد الإقليمي. لكن السؤال الأهم يبقى: هل كان الهدف مجرد إضعاف إيران ومحورها، أم أن الهدف النهائي هو تغيير النظام الإيراني نفسه؟
ومن الأخطاء التي تبدو لافتة في إدارة المواجهة – خصوصًا- من الجهة الايرانية، الرهان على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. فمن الناحية النظرية، تمتلك طهران قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. لكن استخدام هذه الورقة تحوّل مع الوقت إلى سلاح ذي حدّين.
فأي تهديد طويل الأمد لحركة الملاحة في هرمز لا يضغط على الولايات المتحدة وحدها، بل يرفع المخاطر على الاقتصاد الإيراني نفسه، ويهدد صادراته ووارداته، ويزيد كلفة التأمين والنقل والطاقة، ويدفع الدول المتضررة إلى البحث عن بدائل واتخاذ إجراءات أكثر تشدداً.
وبمعنى آخر، فإن الورقة التي كان يفترض أن تُستخدم للضغط على الخصم تحوّلت كما هو واضح إلى عامل ضغط على صاحبها. حيث أدى التصعيد حول هرمز إلى تشديد الرقابة البحرية والعقوبات وتقييد حركة الموانئ الإيرانية، فوجدت طهران نفسها أمام حصار اقتصادي متزايد ضرب قدرتها على تمويل الحرب وتأمين احتياجات اقتصادها.
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة بالنسبة إلى النظام الإيراني. فالخسائر العسكرية يمكن احتواؤها سياسياً لفترة، لكن الجمع بين الخسائر العسكرية والضغط الاقتصادي وتراجع الموارد وارتفاع كلفة المعيشة يمكن أن يخلق مشكلة داخلية يصعب التحكم بها.
التجارب التاريخية تؤكد أن الأنظمة العقائدية لا تسقط بالضرورة لمجرد تعرضها لخسائر عسكرية. لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تتراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والاجتماعية في الوقت نفسه، ويبدأ جزء من جمهورها بالتساؤل عن جدوى استمرار النهج نفسه.
من هنا، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة عن المرحلة العسكرية السابقة. فالولايات المتحدة قد لا تكون مضطرة إلى الذهاب نحو حرب شاملة لتدمير إيران بالكامل، إذا كان الضغط العسكري والاقتصادي قادراً على إنتاج تغيير سياسي من الداخل.
كما أن إسقاط النظام بالقوة العسكرية الكاملة يعني تدمير بنى الدولة وتحمل كلفة هائلة لإعادة الإعمار وهو ما لا تريده واشنطن، في ما قد يكون دفعه إلى تغيير سلوكه أو الدخول في تسوية سياسية أو مواجهة أزمة داخلية أقل كلفة وأكثر فائدة للمصالح الأميركية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من حقق انتصارات عسكرية أكبر؟ بل أصبح: من يستطيع تحمل كلفة الحرب والضغط الاقتصادي لفترة أطول؟
فالحرب لا تُحسم دائماً في الميدان وحده. أحياناً تكون المعركة الحقيقية في الاقتصاد، وفي قدرة الدولة على تأمين مواردها، وفي صمود مجتمعها، وفي تماسك مؤسساتها السياسية والأمنية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنتهي الحرب بإعادة تشكيل موازين القوى فقط، أم أن الضغوط المتراكمة قد تفتح الباب أمام تحول سياسي أوسع داخل إيران؟
الإجابة قد تتضح خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما مع تطور الموقف الأميركي الداخلي بعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وما إذا كانت إدارة ترامب ستختار مواصلة سياسة الضغط، أم الانتقال إلى مسار تفاوضي، أم الذهاب نحو خيارات أكثر حسماً.
في جميع الأحوال، يبدو أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين، لأن نتيجتها حُسمت منذ الأسابيع الأولى لصالح الولايات المتحدة الأميركية. بل المعركة أصبحت اختباراً لقدرة النظام الإيراني على البقاء سياسياً واقتصادياً أمام ضغوط غير مسبوقة.
