
*بقلم ملاك الصميلي*
بعد سنوات طويلة من الانتظار، تبدو طرابلس أمام مرحلة جديدة من الحراك الإنمائي والاقتصادي، مع تزايد الزيارات الرسمية إلى المدينة وفتح ملفات لطالما بقيت عالقة، من معرض رشيد كرامي الدولي ومرفأ طرابلس إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة والمنشآت النفطية ومطار القليعات وسكة الحديد.وفي وقت يتساءل فيه أبناء طرابلس عن موعد انتقال هذا الحراك من الاجتماعات والزيارات إلى مشاريع ملموسة، تكشف معطيات حصلت عليها “ديمقراطيا نيوز” عن خطوات تنفيذية بدأت تتبلور داخل مرفأ طرابلس، في إطار رؤية جديدة تهدف إلى تحويله من مرفق تشغيلي إلى مركز لوجستي إقليمي على البحر المتوسط.وفي حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أكدت نائب رئيس مجلس إدارة مصلحة استثمار مرفأ طرابلس سارة الشريف أن ما يجري في المدينة اليوم لا يقتصر على حركة لقاءات وزيارات، بل يترافق مع مؤشرات عملية بدأت تظهر تباعاً، مشددة في الوقت نفسه على أن طبيعة المشاريع الكبرى، ولا سيما مشاريع البنى التحتية والاستثمارات، تحتاج إلى وقت طويل بين الدراسة وإطلاق المناقصات والتلزيم والتنفيذ.وتوضح الشريف أن من أبرز المؤشرات التي يجب التوقف عندها أن مرفأ طرابلس بادر إلى تمويل دراسة تحديث سكة الحديد، انطلاقاً من مصلحته المباشرة في إعادة تشغيل الخط التجاري الذي يربطه بالحدود السورية، بما يعزز موقعه كمحور لوجستي تتكامل فيه وسائل النقل البحري والبري والسككي.وتكشف أن مناقصة تحديث الدراسات الهندسية لخط سكة الحديد الذي يربط مرفأ طرابلس بالحدود السورية أُرسيت على شركة استشارية، على أن يُعلن اسمها قريباً.ولا تقف الخطوات عند سكة الحديد، إذ يشكل مشروع توسعة محطة الحاويات أحد أبرز المشاريع المطروحة، حيث تهدف التوسعة إلى مضاعفة القدرة الاستيعابية للمحطة من نحو 200 ألف حاوية سنوياً إلى 400 ألف حاوية.وبحسب الشريف، فإن الجزء الأول من مناقصة التوسعة يتجه إلى التلزيم وتوقيع العقد مع المقاول خلال الأسابيع المقبلة، فيما يعمل الاستشاري على إعداد دفاتر الشروط الخاصة بالجزء الثاني تمهيداً لإطلاق المناقصة عبر هيئة الشراء العام.من مرفأ تشغيلي إلى مركز لوجستي إقليمي!وتكشف الشريف أن الرؤية الاستراتيجية التي يعمل عليها مجلس الإدارة الجديد تقوم على نقل مرفأ طرابلس من مجرد مركز لمناولة البضائع إلى مركز لوجستي إقليمي.وتقوم هذه الرؤية على مجموعة محاور، أبرزها تطوير الربط والنقل عبر سكة الحديد، تحديث البنية التحتية الهندسية للمرفأ، تحديث البنية الإدارية، وإنشاء وتطوير الخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة.وتشير إلى أن الهدف لا يقتصر على زيادة حجم العمليات، بل على بناء مرفأ أكثر كفاءة وتنافسية وقدرة على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، بما يسمح له بالمنافسة و التكامل مع المرافئ الموجودة في محيطه، ولا سيما مرفئي طرطوس واللاذقية ومرفأ بيروت، إضافة إلى المرافئ الإقليمية على خطوط التجارة البحرية.وفي هذا الإطار، تؤكد الشريف أن المرفأ يعمل على تعظيم الاستفادة من أصوله وموارده، لأن زيادة حجم العمليات والأرباح تتيح له إعادة استثمار موارده في مشاريع تطويرية جديدة، بما يعزز قدرته التنافسية على المدى الطويل.20 و25 شركة تتنافس على مناقصات المرفأومن المؤشرات التي تعتبرها الشريف دليلاً على التغيير الجاري، ارتفاع أعداد الشركات التي تتقدم إلى مناقصات المرفأ.فبعدما كانت بعض المناقصات تستقطب شركتين أو ثلاث شركات، باتت بعض المناقصات تستقطب 20 و25 شركة، وفق طبيعة كل مشروع.وترى الشريف أن هذا التطور يعكس توسيع دائرة الوصول إلى المناقصات وتعزيز الشفافية والتنافس، خصوصاً بعد تفعيل الموقع الإلكتروني للمرفأ وقنوات التواصل والسوشال ميديا وتوسيع الترويج للمناقصات إلى جانب نشرها عبر هيئة الشراء العام.وتؤكد أن زيادة عدد المتنافسين ترفع مستوى المنافسة، بما يسمح في نهاية المطاف باختيار العرض الأفضل من حيث الجودة والسعر.المرفأ يمول مشاريع خارج حدودهومن أبرز ما تكشفه الشريف أيضاً أن دور مرفأ طرابلس لا يقتصر على تطوير منشآته، بل يمتد إلى دعم مؤسسات ومنشآت أخرى في المدينة والشمال.وتشير إلى أن المرفأ يعمل على تقديم هبات ودعم لمشاريع تطويرية في عدد من المؤسسات.وتوضح أن هذا الدور يشمل، ضمن الرؤية العامة، دعم مصلحة سكك الحديد، والتعاون مع معرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، والبلديات والجمارك وغيرها، بما يساهم في إطلاق مشاريع أساسية تحتاج إليها هذه المؤسسات.وتعتبر الشريف أن هذا الدور جزء من المسؤولية الاجتماعية للمرفأ، الذي لا تريد إدارته أن يبقى مجرد بوابة بحرية، بل أن يكون شريكاً في التنمية الاقتصادية للمدينة والشمال.المنطقة الاقتصادية الخاصة على خط التطويروفي موازاة مشروع سكة الحديد وتوسعة محطة الحاويات، تكشف الشريف انه قد قام المرفأ بإطلاق مناقصة لدعم المنطقة الاقتصادية باستقطاب شركة استشارية لتعمل على تنفيذ نظام النافذة الواحدة، تطوير نظام التراخيص للمنطقة الإقتصادية الخاصة و تطوير الإطار القانوني و التنظيمي للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس.وقد أُرسيت المناقصة على استشاري فائز، على أن يتم الإعلان عن الجهة التي رست عليها المناقصة خلال الأيام المقبلة.وتندرج هذه الخطوة ضمن مسعى أوسع لخلق منظومة لوجستية واقتصادية متكاملة حول المرفأ، قادرة على جذب المستثمرين وتوفير خدمات ذات قيمة مضافة. تحول رقمي وإعادة بناء الإدارةولا يقتصر التطوير على البنية التحتية، إذ يعمل المرفأ أيضاً على تحديث بنيته الإدارية وإعادة رسم إجراءات العمل.وتشير الشريف إلى أن المجلس أجرى تقييماً شاملاً للمرفأ لتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، كما وضع استراتيجية تمتد لثلاث سنوات مرفقة بخطة عمل تنفيذية.ويشمل ذلك العمل على التحول الرقمي وإنشاء نظام “Port Community System” أو نظام مجتمع المرفأ، بما يسمح بربط مختلف الجهات والمتعاملين داخل المرفأ إلكترونياً، وتحسين سرعة الإجراءات ووضوحها وعدالتها.كما يعمل المرفأ على إعادة بناء هويته المؤسسية، من خلال إطلاق هوية بصرية جديدة وتفعيل قنوات التواصل والإعلام الرقمي، بهدف تعزيز حضوره أمام المستثمرين والشركاء والمجتمع المحلي.وفي هذا السياق، أشادت الشريف بالدور المباشر لوزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، مؤكدة أن «مرفأ طرابلس محظوظ باهتمام الوزير ومتابعته المباشرة، وبما يبديه من رؤية ونشاط وإصرار». وأشارت إلى أن رسامني «شايف قديش في potential لهذا المرفأ»، معتبرة أن هذا الاهتمام والدعم يشكلان رافعة أساسية لدفع المشاريع وتحويل إمكانات المرفأ إلى نتائج ملموسة.سارة الشريف: الناس محقة بالسؤال “وبعدين؟”وفي مقاربة مباشرة لتساؤلات أبناء طرابلس حول كثرة الزيارات والاجتماعات، تقر الشريف بأن من حق المواطن أن يسأل عن النتائج، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من تقديم وعود كبيرة لا يمكن ترجمتها سريعاً على الأرض.وتقول إن المطلوب هو تجنب معادلة “وعد كبير وتنفيذ محدود”، مشددة على أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى مراحل متتالية تبدأ بالتخطيط والدراسات، مروراً بالمناقصات والتلزيم، وصولاً إلى التنفيذ.وتلفت إلى أن المؤشرات لا تظهر دائماً بصورة مشروع مكتمل، بل يمكن أن تكون في إطلاق مناقصة، أو إرسائها، أو تمويل دراسة، أو زيادة عدد الشركات المتقدمة، أو توقيع عقد، معتبرة أن هذه كلها خطوات يجب أن تُقرأ كجزء من مسار تنفيذي.وتؤكد أن “الحراك بدأ”، مستشهدة بعدد من المحطات، ومنها تعيين مجلس إدارة جديد لمرفأ طرابلس بعد أكثر من عقدين، واستقبال المرفأ لأكبر سفينة في تاريخه، إلى جانب إطلاق المناقصات والدراسات ومشاريع التطوير.وتعتبر الشريف أن الرسالة الأساسية التي يجب أن تصل إلى أبناء المدينة هي أن الأشخاص الموجودين في مواقع المسؤولية اليوم يعملون على أساس الثقة والخبرة والتنسيق، مشيرة إلى وجود انسجام بين المجالس الإدارية الجديدة والتعاون بينها وبين الإدارات والوزارات المعنية.وتشدد على أن الشفافية والحوكمة تشكلان جزءاً أساسياً من بناء الثقة، وأن المطلوب من كل منشأة أن تطلع المواطنين دورياً على ما أنجزته وما تعمل عليه، من دون أن يتحول الأمر إلى وعود أسبوعية أو إعلام دائم عن اجتماعات لا تزال في مراحلها التحضيرية.وتتركز الرؤية التي يتم العمل عليها على تطوير الربط مع شبكة النقل، وتحديث البنية التحتية للمرفأ، وتطوير الإدارة والخدمات اللوجستية، بما يرفع الكفاءة ويعزز قدرة المرفأ على جذب السفن والشركات والاستثمارات.وتأتي هذه الرؤية في وقت تتكامل فيه ملفات عدة على مستوى طرابلس والشمال، من المرفأ إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمنشآت النفطية، وصولاً إلى مشروع مطار القليعات وسكة الحديد، بما يفتح الباب أمام بناء منظومة اقتصادية مترابطة بدلاً من مشاريع منفصلة.وتضع الشريف ما يحصل اليوم في إطار “momentum” جديد في طرابلس، نتيجة تزامن تعيين مجالس إدارية جديدة وتفعيل العمل المشترك بين المؤسسات، بالتوازي مع اهتمام حكومي متزايد بموارد الشمال ومقوماته.وبينما لا تزال المشاريع الكبرى تحتاج إلى وقت قبل أن تتحول إلى ورش واستثمارات وفرص عمل، فإن المؤشرات التي تكشفها الشريف، من إرساء دراسة سكة الحديد، إلى توسعة محطة الحاويات، ودراسة المنطقة الاقتصادية الخاصة، والتحول الرقمي، وارتفاع المنافسة على المناقصات، تشير إلى انتقال عدد من الملفات من دائرة الكلام إلى خطوات تنفيذية فعلية.ويبقى التحدي الأساسي أمام طرابلس هو تحويل هذا الزخم إلى نتائج مستدامة، بحيث لا تبقى المدينة محطة للزيارات والاجتماعات، بل تتحول مقوماتها القائمة إلى شبكة اقتصادية متكاملة تعيد لها دورها كمنصة تجارية ولوجستية على المتوسط، وتفتح الباب أمام الاستثمار وفرص العمل والتنمية.
