حين تكبر الطفولة معنا… “حب ع ورق” يفتح ملف الجروح التي لا تُرى

بقلم إحسان الطبش

نحن لا نكبر ونترك طفولتنا خلفنا كما نعتقد. بعض ما نعيشه في السنوات الأولى يبقى معنا، يكبر معنا، ويظهر لاحقاً في طريقة حبنا، وخوفنا، وغضبنا، وحتى في الطريقة التي نتعامل بها مع أنفسنا والآخرين.

وهنا يلفتني مسلسل “حب ع ورق” من زاوية مختلفة. فبعيداً عن قصص الحب والعلاقات، يقترب العمل من أثر العنف والكبت والفقدان على الشخصيات، ويطرح سؤالاً مؤلماً: ماذا يحدث للطفل الذي يُطلب منه أن يكون قوياً قبل أوانه؟

العنف الجسدي واللفظي الذي يتعرض له الطفل خصوصاً في سنواته الاولى، لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الموقف. قد يكبر الطفل، لكن أثر الخوف والإهانة والقسوة قد يكبر معه أيضاً. ومع مرور السنوات، تظهر هذه التجارب في شخصيته، وفي علاقاته، وفي قدرته على التعبير عن مشاعره.

ولعل أصعب ما يواجهه الرجل تحديداً هو تلك الفكرة التي تربى عليها كثيرون: “الرجل لا يبكي”.

لكن من قال إن البكاء ضعف؟ البشر يبكون. والحزن لا يختار جنساً، والألم لا يحتاج إلى إذن كي يظهر. المشكلة تبدأ عندما يتعلم الإنسان منذ طفولته أن عليه أن يخفي وجعه حتى يبدو قوياً.

نرى ذلك في شخصية “سالم”، التي يجسدها الممثل السوري حسام سلامة، والذي تعرض للعنف من والده. وفي الجهة المقابلة، تأتي “زيزي”، التي تؤدي دورها الممثلة السورية ميرنا المير، وقد فقدت والدها مبكراً، واضطرت إلى تحمل المسؤولية في عمر لم يكن يفترض أن تعرف فيه معنى المسؤولية أصلاً.

والأب هنا هو الرابط بين الشخصيتين، رغم اختلاف التجربتين. “سالم” يحمل أثر أبٍ مارس القسوة، و”زيزي” تحمل أثر أبٍ غاب مبكراً. وفي الحالتين، يترك الأب غياباً مختلفاً داخل الطفل.

فقدان الأب قد يكون وجعاً مضاعفاً للفتاة عندما تكبر؛ ليس فقط لأنها فقدت شخصاً تحبه، بل لأنها قد تكبر وهي تفتقد ذلك السند الذي تلجأ إليه، والكتف الذي تبكي عليه، والشعور بالأمان الذي تمنحه أحياناً علاقة الأب بابنته.

أما “زيزي”، فقد دفعتها ظروفها إلى أن تكون قوية. تحملت المسؤولية باكراً، فبنت شخصية تبدو صلبة من الخارج. لكن هل كل شخص قوي هو فعلاً بخير؟

ربما لا.

أحياناً نحن لا نكون أقوياء لأننا لا ننكسر، بل لأننا لم نملك خياراً آخر. نخفي ضعفنا، نكتم مشاعرنا، ونكمل حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث. إلى أن تأتي لحظة تضغط فيها الحياة على المكان نفسه الذي حاولنا إخفاءه لسنوات، فيظهر الخوف، والغضب، والحزن، وحتى الجانب المظلم الذي كنا نعتقد أننا تجاوزناه.

وهنا أجد أن مسلسل “حب ع ورق” يلمس حقيقة إنسانية تتجاوز الشاشة: نحن لسنا دائماً أبناء اللحظة التي نعيشها، بل أبناء أشياء كثيرة حدثت لنا قبل أن نعرف كيف ندافع عن أنفسنا.

قد لا يكون الإنسان مسؤولاً عن الجرح الذي تعرض له في طفولته، لكنه يصبح مسؤولاً عن ألا يسمح لهذا الجرح بأن يتحول إلى جرح جديد في حياة الآخرين.

وربما لهذا السبب، فإن أقسى ما يمكن أن نفعله بأطفالنا ليس فقط أن نؤذيهم، بل أن نعلمهم أن عليهم إخفاء ألمهم. لأن الطفل الذي لا يُسمح له بالبكاء، قد يكبر وهو لا يعرف كيف يقول: “أنا أتألم”.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top