
بقلم د. طلال خواجه
نحن على مسافة ٧ سنوات تقريبا من اليوم الأسود الذي أغلقت فيه المصارف ابوابها لتقوم بعمليات التحويل المافيوي للpeps و أصحاب المصارف و النافذين من كل الألوان و الأديان والأجناس.
جاء ذلك بعد انفجار الأزمة النقدية في أعقاب سنوات التقيح الناتج عن حلف العار بين فئات سياسية فاسدة أو متواطئة أو مترددة مع ميليشيا حزب الله الايراني التكوين و الهوى و الإمرة. وكان حزب الله قد فرض العماد ميشال عون المتعطش للسلطة رئيسا للجمهوية.
ولنتذكر أن البعض قد توهم آنذاك باستنساخ موديل الثنائي الشيعي بثنائي ماروني و قام باحتفاليات طقوسية تليق بالمناسبة بين تلتي الرابية و معراب.
علمًا أن هذا البعض قد غفل أو تغافل عن ثابتة سياسية يعرفها جيدا، بأن تعطش المجموعة العونية للسلطة و غنائمها يتقدم على كل شيء، دعك من بعض الكادرات الوازنة أو الموزونة التي غادرت المركب تباعا أمام انكشاف هول الموديل العوني الباسيلي.
في آذار ٢٠٢٠ أعلنت حكومة حسان دياب التي اعتبرت ستارة لحزب الله و للممانعة عموما التعثر عن الدفع، و لكنها بعد سلسلة من السحاسيح تعثرت ايضا عن العمل لكابيتول كونترول و عن إطلاق خطة ٥٠٠ الف دولار ضمن مشروع التعافي المالي الذي وعدت به. علما أن البنك المركزي كان ما زال يحتضن في خزائنه آنذاك أكثر من ثلاثين مليار دولار من غير سبائك الذهب و غيرها من الموجودات.
هكذا أسند عمليًا للمايسترو رياض سلامة إدارة التفليسة أو السلب و النهب والدعم الكاذب و الفادح و القارح، عبر التعاميم و القرارات و أرانب صيرفة وأخواتها.
والنتيجة تبديد المزيد من المليارات و معها تبخرت مليارات أخرى من أموال المودعين المقهورين، إذ تحولوا فريسة للمصارف و للمافيات المالية عبر تعدد أسعار الصرف و خصوصا عبر التعميم ١٥١ المستمرة مفاعيله رغم إلغائه منذ سنوات و رغم الوعود بتعديله من مراوغي المجلس النيابي و المسرح السياسي العائم على القذارة السياسية و تكرارهم الممل لسمفونية قدسية الودائع.
نكرر هذا الكلام الذي أصبح مملا أيضا لأنه لا ثقة لنا بقدرة أو برغبة المجلس النيابي الحالي في تلقف و إنجاز مشروع استعادة التعافي المالي المستند على استرداد الودائع، بما يخفف من مظلومية المودعين، خصوصا صغار المدخرين و يحافظ على مصلحة اللبنانيين والاقتصاد اللبناني عموما. علمًا أن المجلس أنجز بعد سنوات و بشق النفس قانون إلغاء السرية المصرفية و قانون إعادة تأهيل المصارف المشروط تنفيذه بإنجاز قانون الانتظام المالي.
حين أعلن نواف سلام مشروع قانون الانتظام المالي و استرداد الودائع في ١٩/١٢/٢٠٢٥ محاطا بالثلاثي جابر، سعيد والبساط، قامت الدنيا و لم تقعد، اذ اعتبرت جماعة المال والنفوذ أن المشروع مال نحو الشرائح الدنيا من المودعين بسبب السقف المتحرر للمئة الف دولار و لتحميله المصارف مسؤولية اساسية في عملية الاسترداد و بعدم وضع بعض سبائك الذهب و بعض أملاك الدولة في جيوب كبار المودعين. والواقع فإن المشروع لم يغادر نظرية الوديعة الغير المؤهلة التي أخضعها بعد المئة الف دولار لشطور غير عادلة، و إن خفف من وقعها، و هذا ما يكرر الخلط بين التجارة الدسمة للشيكات و هلع المودعين العاديين. علما أن التحويل إلى الدولار بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ تم بموافقة المصارف و المصرف المركزي وكان سوق الصرف الفعلي يتراوح بين ١٧٥٠ و ٢٠٠٠ في أواخر ٢.١٩.
من المتوقع أن تبدأ المبارزة من جديد حول الانتظام المالي بعد إقرار قانون المصارف، علما أن الاقتصاد يتراجع و ينكمش بسبب الحرب و تداعياتها بعد فترة نمو كانت واعدة، ما يعني أنه من المنتظر شحذ السكاكين، إذ عادت العيون تلمع مع الذهب و بالكاد نرى واحدا من الذين عارضوا مشروع الحكومة على محطة إعلامية دون أن يتحفنا بضرورة بيع قسم من الذهب و تسييله في جيوب المودعين الكبار الذين يسميهم مستثمرين و الكثير منهم كان مستثمرا في مشروع بونزي كما قال الرئيس ماكرون. و اذا سمح بتسييل الذهب في الوضع الحالي سيسيل لعاب الكثيرين.
أحد الخبراء الظرفاء كتب مرة على صفحته على الفايسبوك:
تعود أولا فلسطين و تعود ثانيا الأندلس و تعود ثالثا الودائع، و قد أعلن في إحدى إطلالاته الإعلامية الكثيرة أنه صفى وديعته بالتي هي أحسن. و يبدو أن صاحبنا أحسن صنعا حين خرج من طابور الانتظار الذي يزداد عبثية مع الزمن.
لن تكون المواجهة حول الانتظام المالي و استرداد الودائع مواجهة سهلة، و هي ليست ببعد واحد.
و في لبنان دائما هناك أبعاد كثيرة و سكاكين جاهزة، قانون العفو نموذجا. علما أن مقياس عودة الثقة بالإقتصاد و العمل المصرفي هو في إيجاد حل سريع و متوازن لمعضلة الودائع.
