تهديد بالقتل وسط أزمة نفايات في مكب غزة… مَن يخشى الرقابة؟

بقلم راما الجراح

تتفاقم المخاوف البيئية والصحية المرتبطة بمكب النفايات في بلدة غزة في البقاع الغربي، في ظل تراكم كميات من النفايات، وانبعاث الروائح، واندلاع الحرائق، إضافة إلى مشكلة العصارة الناتجة عن المكب وما يمكن أن تسببه من أضرار بيئية. ومع استمرار هذه المشكلات، تطرح المعطيات الموجودة أسئلة حول آلية إدارة وتشغيل الموقع، ومدى الالتزام بالشروط والمعايير البيئية، فضلاً عن دور الجهات الرسمية والرقابية في متابعة عمل المكب ومعالجة أي خلل أو تقصير.

قال النائب ياسين ياسين في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، إن مشكلة مكب غزة ليست جديدة، موضحاً أنه يتابع هذا الملف منذ نحو أربع سنوات، وأن متابعته انتقلت من المتابعة المباشرة إلى توجيه سؤال نيابي إلى الحكومة، وصولاً في الفترة الأخيرة إلى توجيه كتب رسمية إلى وزارتي الداخلية والبيئة والجهات المعنية، بهدف معالجة الملف والوقوف على حقيقة ما يجري في الموقع.

وأشار ياسين إلى أن المشكلة الأساسية ترتبط بالكميات الكبيرة من النفايات التي تصل إلى المكب، موضحاً أن الآلية المفترضة تقتضي فرز النفايات ومعالجتها، على أن يتم طمر ما يتبقى منها وفق الأصول، مع تغطيته بالتراب وإجراء الحدل اليومي. إلا أن الواقع، وفق ما يقول، مختلف، إذ إن الروائح والحرائق وتراكم النفايات، إلى جانب مشكلة العصارة، تفرض التحقق من طريقة التشغيل ومدى الالتزام بالمعايير البيئية وبنود العقد المبرم لإدارة المكب.

ولفت ياسين إلى أن المشغّل سبق أن وجّه كتاباً أقر فيه بوجود تقصير في العمل، معتبراً أن هذه المعطيات تستوجب إجراء كشف فني وبيئي مستقل، إضافة إلى التدقيق في العقد وفي آلية عمل المشغّل، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة. وأكد أن مقاربته للملف لا تقوم على اتهام سياسي لأي جهة، بل على وقائع موجودة تستدعي من الدولة التحقيق فيها وتحديد مكامن الخلل والجهة المسؤولة عنها.

وفي جانب آخر من الملف، تناول ياسين قضية أحد أعضاء المجلس البلدي (م. م) ، موضحاً أنه بحسب إفادته، كان يتابع موضوع المكب والعصارة، ويعمل على تحديث التوثيق المتوافر لديه بهدف إعداد ملف موثق ورفعه إلى الجهات المعنية، خصوصاً في ظل حصول تواصل في هذا الشأن مع رئيس الحكومة نواف سلام ومستشاره. وبحسب إفادة (م. م)، فقد تعرض أثناء قيامه بهذا الدور للمنع والإساءة والتهديد بالقتل والاعتداء.

ويعتبر ياسين أن هذه الإفادة تطرح مسألة تتجاوز الخلاف الشخصي، وتتصل مباشرة بحق المجالس البلدية والجهات الرقابية في متابعة الملفات التي تمس صحة المواطنين والبيئة. وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً أساسياً حول أسباب منع عضو بلدي منتخب من القيام بدوره الرقابي، قائلاً: “لماذا عضو بلدية منتخب، يعمل على توثيق ملف يتعلق بصحة الناس والبيئة، يُمنع من القيام بدوره؟ وإذا لم يكن هناك شيء يُخشى منه، فلماذا لا يكون المكب مفتوحاً أمام البلدية والجهات الرقابية، وتكون كل المعلومات متاحة؟”.

وفي الوقت نفسه، يشدد ياسين على ضرورة عدم استباق التحقيق أو توجيه اتهامات من دون أدلة، مؤكداً أنه لا يستطيع القول إن (م. م) تعرض للتهديد بسبب أمر محدد قبل أن يتولى القضاء التحقيق في الوقائع، كما لا يمكن اتهام أي شخص بمحاولة قتل أو الحديث عن وجود غطاء سياسي من دون أدلة واضحة. ويشير إلى أن تحديد المسؤوليات في هذه القضية يجب أن يكون من خلال التحقيق، لكن ذلك لا يلغي خطورة الادعاء بوجود تهديد بالقتل والاعتداء على عضو بلدي أثناء قيامه بعمل رقابي، وهي مسألة، بحسب ياسين، لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد إشكال شخصي.

أما في ما يتعلق بإمكانية وجود غطاء سياسي أو مصالح تحمي أي طرف، فيؤكد ياسين أنه لا يملك في الوقت الحالي أدلة تسمح له بتوجيه مثل هذا الاتهام، لكنه يرى أن هذا تحديداً ما يجعل التحقيق والشفافية ضرورة. فإذا لم يكن هناك غطاء سياسي أو مصالح أو مخالفات، فإن التحقيق الجدي والشفاف كفيلان بإظهار ذلك وتوضيح حقيقة ما يجري، بعيداً عن الاتهامات والاستنتاجات المسبقة.

ويرى ياسين أن معالجة ملف مكب غزة يجب أن تسير في مسارين متوازيين. المسار الأول يرتبط بالوضع البيئي القائم، ويقضي بمعالجة النفايات وفق الأصول، بدءاً من الفرز والمعالجة، وصولاً إلى طمر ما يتبقى منها وتغطيته بالتراب وإجراء الحدل بصورة يومية، بالتوازي مع معالجة مشكلة العصارة والروائح والحرائق. أما المسار الثاني، فيتعلق بالجانب الإداري والتعاقدي والرقابي، من خلال التدقيق في العقد، وتحديد التزامات المشغّل، ومعرفة الجهة المسؤولة عن مراقبته، وتحديد أوجه التقصير والجهة التي تتحمل المسؤولية عنها.

وبالتوازي مع معالجة الوضع الحالي، يشدد ياسين على ضرورة السير في الحل الدائم من خلال إنشاء المطمر البديل، لكنه يرفض أن يتحول الحديث عن مطمر جديد إلى مبرر لترك المكب الحالي من دون معالجة. فالحل المستقبلي، بحسب مقاربته، لا يلغي ضرورة التعامل مع المشكلات القائمة حالياً، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولياتها البيئية والرقابية.

ويؤكد ياسين في ختام موقفه أنه لا يريد استباق التحقيق أو اتهام أشخاص، بل يطالب الدولة بتحمل مسؤولياتها من خلال الكشف والتحقيق ونشر الوقائع وتحديد المسؤوليات ومحاسبة من يثبت تقصيره، بالتوازي مع حماية أي شخص يمارس دوره الرقابي ضمن الأطر القانونية.

ويختصر النائب جوهر موقفه من الملف بسؤال واضح: “إذا كان كل شيء في المكب يُدار وفق القانون والمعايير، فلماذا يخشى أحد من الرقابة والتوثيق؟”.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top