
بقلم الياس عيسى الياس
حين قرأتُ تصريح محسن رضائي الصادر في 27 أغسطس 2026، لم أتوقف فقط عند ارتفاع نبرة الخطاب الإيراني، بل عند دلالة أعمق بالنسبة إلى بلادنا.
من يملك حق رسم الخطوط السيادية داخل الأراضي اللبنانية؟
رضائي، الذي عيّنه المرشد مجتبى خامنئي ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي ثم تولى أمانة المجلس بمرسوم رئاسي، أعلن بلا مواربة أن بلاده تعتبر “أمن لبنان جزءاً من أمن منطقة غرب آسيا بأكملها”، وأن”الضاحية الجنوبية لبيروت تمثل خطاً أحمر بالنسبة إلى إيران”.
يكشف هذا الكلام عن مقاربة تنظر إلى بيروت وضاحيتها من زاوية الأمن الإقليمي، لا من زاوية القرار اللبناني المستقل. هذه المقاربة تكرّس نفوذاً يجعل لبنان جزءاً من منظومة أمنية تتجاوز مؤسساته الوطنية. يأتي ذلك في وقت تتطلع فيه البلاد إلى تأكيد حضور الدولة ومؤسساتها الدستورية، وفي مقدمها الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة العسكرية الشرعية الموكلة إليها مهمة الدفاع عن الوطن وحماية حدوده.
تزداد أبعاد هذا الإعلان تعقيداً عندما يقترن بشروط تفاوضية محددة تجاه أي تفاهم محتمل مع واشنطن. إذ يربط رضائي أي اتفاق بـ “وقف الحروب وخاصة في لبنان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وإنهاء حرب غزة ووقف الهجمات على سوريا”. قد يقرأ البعض هذا الكلام بوصفه دعماً للبنان وحقوقه. بيد أن المشكلة السياسية والسيادية تظهر حين تُوضع هذه الحقوق داخل حزمة تفاوض إقليمية أوسع تُدار من الخارج، مما يضع لبنان أمام خطر تحوّل إرادته الوطنية إلى بند ملحق في حسابات غيره.
وهنا تحديداً تبرز النقطة الأكثر أهمية: ليس في الدفاع عن سيادة لبنان أي تبرير للاحتلال الإسرائيلي أو للعدوان عليه. فانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف الاعتداءات هو حق لبناني ثابت ومطلب لا مساومة عليه وطنياً ودولياً. وهو حق ينبغي للبنان أن يدافع عنه بأدوات الدولة: شرعيتها الدستورية، وأدواتها الدبلوماسية والقانونية.
غير أن المشكلة لا تكمن في المطلب نفسه، بل في أن يُنتزع من لبنان حق إدارة هذا المطلب، ليتحول إلى ورقة في مسار مقايضات إقليمية لا تملك الدولة اللبنانية قرارها، مما يضعف قدرتها على الدفاع عن حقوقها بالوسائل الشرعية والسياسية المتاحة لها.
وقبل الجزم بأن هذا الخطاب يعكس نفوذاً مطلقا، يجدر التوقف عند قراءة تحليلية بديلة. قد يكون هذا التصريح جزءاً من محاولة لإظهار الردع والتأثير في أعقاب مرحلة انتقالية وحساسة شهدتها القيادة الإيرانية إثر اغتيال علي خامنئي وخلافة نجله مجتبى.
في هذا السياق، يبدو رفع سقف المعايير المفروضة أقرب إلى «انتفاضة ماقبل الموت»، أي نمط من التماسك الاستعراضي لنظام يحاول التغطية على انكشافه الميداني وضغوطاته التفاوضية عبر رفع النبرة الكلامية. فمن الطبيعي أن يكون لطهران تصورها لأمن المنطقة، كما لإسرائيل والولايات المتحدة وسواهما؛ إلا أن التحول غير الطبيعي يكمن في فرض هذا التصور كسقف يحدد حركة دولة ذات سيادة. وإذا كانت طهران تعتبر أمن لبنان امتداداً لأمنها الإقليمي، فمن حق اللبنانيين تأكيد حقهم الكامل في تعريف أمنهم الوطني وقرارهم الاستراتيجي بعيداً من حسابات طهران.
على الصعيد الميداني، يضيّق هذا الربط الشامل من هامش المناورة أمامالمبادرات الرسمية اللبنانية، والتي تظل مقيّدة بحسابات الخارج ومسارات تفاوضه. ونتيجة لذلك، يجد لبنان نفسه مضطراً إلى انتظار نتائج تفاوض لايملك مفاتيحه، بينما يدفع اللبنانيون ثمن هذا الانتظار مزيداً من النزوح والدمار والتآكل الاقتصادي.
إن الأزمة في عمقها لا تقتصر على تدخلات طرف بعينه. فبينما ترسم طهران حدود نفوذها في بيروت، وتفرض إسرائيل وقائعها بالنار والعدوان، يبرز التساؤل الاستراتيجي الأكثر أهمية: أين خطنا الأحمر نحن، كدولةومواطنين، لحماية القرار والسيادة على الأرض؟
إن الخروج من هذه الدوامة لا يتحقق بالشعارات، بل بالعودة إلى المرجعيات الوطنية والدستورية والدولية، والاستناد إلى المواقف الرسمية الحازمة التي تعبّر عنها الحكومة اللبنانية بضرورة حصر التمثيل والسيادة بمؤسسات الشرعية. ويأتي في مقدم ذلك التطبيق الكامل لاتفاق الطائف وقرارات مجلس الأمن، وفي طليعتها القرار 1701، بما يعزز سلطة الدولة الحصرية على كامل أراضيها، مع إبلاغ الدول المعنية عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية برفض أي تدخل في القرار السيادي، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.
وفي النهاية، لا أحد يطالب بلبنان بلا حلفاء، فهذه طبيعة العلاقات الدولية؛ لكن المطالبة هي بألا يملك الحلفاء حق اتخاذ القرار عنه. فلبنان لا يحتاج إلى أن يستبدل خطاً أحمر إسرائيلياً بخط أحمر إيراني؛ ما يحتاجه هو أن يستعيد حقه في رسم خطوطه الحمراء بنفسه، وأن يكون قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً لا بنداً ملحقاً في أجندات الآخرين.
