
بقلم إحسان الطبش
بعد سنوات من الغياب، يعود ملف السكك الحديدية إلى الواجهة في لبنان من بوابة طرابلس، مع خطوات جديدة لإعادة تفعيل الربط السككي مع سوريا. المشروع الذي ينطلق من مرفأ طرابلس باتجاه العبودية، وصولاً إلى حمص، لا يقتصر على إعادة تشغيل خط داخل الأراضي اللبنانية، بل يفتح الباب أمام ربط لبنان بشبكة نقل إقليمية أوسع، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ممرات جديدة لحركة التجارة ونقل البضائع. وبين الدراسات واللجان الفنية والتحضيرات الميدانية، هل تكون طرابلس نقطة الانطلاق لعودة لبنان إلى خريطة السكك في المنطقة؟
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز” أوضح رئيس مجلس إدارة ومدير عام مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك في لبنان زياد شيا أن العمل على المشروع بدأ قبل نحو سبعة أو ثمانية أشهر، مع توقيع مذكرة تفاهم مشتركة مع مجلس إدارة مرفأ طرابلس للتعاون في موضوع تمديد سكة الحديد من مرفأ طرابلس وصولاً إلى سوريا، نظراً إلى أهمية المشروع التجارية ونقل البضائع من لبنان، وتحديداً من مرفأ طرابلس، إلى الامتداد الذي يشكل نقطة الوصل في حمص.
وأشار شيا إلى أن المشروع يرتبط أيضاً بامتداد أوسع لخط الحجاز، من السعودية مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا، ما يعطي الربط السككي أهمية تتجاوز الحدود اللبنانية والسورية.
وبعد توقيع مذكرة التفاهم، أُطلقت المناقصة لإعداد دراسة جدوى تقود إلى مرحلة التنفيذ. وقد رست المناقصة على شركة رفيق خوري قبل نحو شهر تقريباً، أو أقل بقليل، أي منذ قرابة عشرين يوماً، وهي تعمل حالياً على إعداد دراسة ودفتر شروط لعملية تلزيم الخط الممتد من مرفأ طرابلس إلى العبودية.
وأكد شيا أن الدراسة يفترض ألا تستغرق أكثر من أربعة أشهر، على أن تحدد نتائجها المعطيات التقنية والأرقام اللازمة للانتقال إلى المرحلة التالية من المشروع.
لجنة فنية لبنانية-سورية
وفي إطار استكمال الخطوات، زار وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني سوريا الأسبوع الماضي، برفقة شيا ووفد ضم مستشارين لرئيس الحكومة، ونائب رئيس الحكومة طارق متري، ومدير عام مرفأ طرابلس الدكتور أحمد تامر.
والتقى الوفد وزارة النقل السورية، بحضور وزير النقل السوري والمعنيين مباشرة بقطاع النقل، وخصوصاً السكك الحديدية. وأسفرت الزيارة عن الاتفاق على عدة نقاط، أبرزها تشكيل لجنة فنية مشتركة لمتابعة المشروع.
وتضم اللجنة من الجانب السوري معاون وزير النقل بصفته رئيساً لها، إلى جانب المدير العام للسكك والنقل في سوريا، فيما يشارك من الجانب اللبناني زياد شيا، ومدير عام مرفأ طرابلس الدكتور أحمد تامر، والاستشاري رامي خوري الذي رست عليه المناقصة.
وبحسب شيا، سيزور الوفد السوري لبنان خلال نحو عشرة أيام، في استكمال للنقاشات التي جرت في سوريا، على أن تتضمن الزيارة جولة ميدانية على المسار الذي يُزمع إقامة السكك الحديدية عليه من طرابلس باتجاه سوريا، وصولاً تقريباً إلى منطقة حمص.
وستخصص الزيارة لاستكمال المباحثات ووضع النقاط الأساسية المتعلقة بكيفية تنفيذ المشروع، إلى جانب بحث التحديات والعقبات والمعوقات الموجودة أمام عملية التنفيذ.
البضائع أولاً والركاب لاحقاً
وفي ما يتعلق بطبيعة النقل، أوضح شيا أن المرحلة الأولى ستكون حكماً لنقل البضائع، فيما تتضمن الدراسة ودفتر الشروط أيضاً إمكانية نقل الركاب.
وأوضح أن تنفيذ المشروع يأخذ في المرحلة الأولى بعين الاعتبار تجهيز الخط لنقل البضائع، على أن تأتي المرحلة الثانية لنقل الركاب.
الكلفة تنتظر الدراسة
أما الكلفة المطلوبة لإعادة تفعيل الخط، فلا يزال من المبكر تحديدها، وفق شيا، الذي رفض إعطاء تقدير أولي قبل انتهاء الدراسة.
وأوضح أن إعداد دراسة الجدوى ودفتر الشروط يهدف أساساً إلى الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمشروع، معتبراً أنه لو كانت الكلفة معروفة منذ الآن لما كانت هناك حاجة إلى إجراء الدراسة.
وأشار إلى أن الاستشاري سيحدد الكلفة من خلال التقدير الذي سيضعه، على أن تقدم الدراسة بعد أربعة أشهر الإجابات المتعلقة بالجوانب التقنية والأرقام.
من طرابلس إلى سلاسل الإمداد العالمية
ولا ينظر شيا إلى المشروع باعتباره مجرد خط لنقل البضائع بين لبنان وسوريا، بل يربطه بموقع لبنان ضمن شبكة سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في ظل ما وصفه بالمأزق الذي تشهده الممرات التجارية حالياً.
وفي هذا السياق، أشار إلى مضيق هرمز، معتبراً أن التطورات المرتبطة بالممرات التجارية تفرض ضرورة إيجاد ممرات جديدة، وأن هذا الممر، سواء عبر خط الحجاز أو غيره من خطوط السكك الحديدية، يشكل مساراً أساسياً.
ويشير شيا أيضاً إلى الميزة الاقتصادية للنقل عبر السكك الحديدية، موضحاً أن كلفة نقل البضائع عبر القطارات تكون أقل بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المئة من كلفة النقل عبر وسائل النقل الأخرى.
وبذلك، يبدأ المشروع لبنانياً من مرفأ طرابلس باتجاه العبودية، ويمتد نحو سوريا وصولاً إلى حمص، مع ارتباطه المحتمل بشبكة أوسع تتصل بخط الحجاز وتمتد باتجاه السعودية والأردن وسوريا وتركيا.
وبين دراسة الجدوى التي يفترض إنجازها خلال أربعة أشهر، واللجنة الفنية اللبنانية-السورية، والزيارة الميدانية المرتقبة للوفد السوري، ينتقل ملف السكك الحديدية من إطار البحث إلى خطوات عملية أكثر وضوحاً، فيما تبقى الكلفة والتفاصيل التقنية ومتطلبات التنفيذ مرتبطة بنتائج الدراسة.
وبينما تنتظر ترجمة هذه الخطوات على الأرض، يبقى الرهان الأكبر على ما يمكن أن تعنيه عودة السكك الحديدية للبنان، ليس فقط كوسيلة نقل، بل كفرصة لاستعادة دوره في حركة التجارة وربطه مجدداً بمحيطه الإقليمي. فهل تكون سكة طرابلس بداية الطريق نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً على المنطقة، وممرّاً يعيد للبنان موقعه على خريطة التجارة الإقليمية؟ وهل تنجح هذه المرة الخطط في الانتقال من الدراسات والوعود إلى مشروع يرى اللبنانيون قطاراته تسير على أرض الواقع؟
