
بقلم جوزاف وهبه
“خبران” في يوم واحد، وربّما في صحيفة واحدة كالبناء والديار والأخبار:إيران تقول بأنّها لا بدّ ستردّ على أيّ هجوم اسرائيلي يمكن أن يؤدّي إلى سقوط تلّة علي الطاهر..وإسرائيل تعلن السيطرة العملايتيّة على الجبل، على لسان الناطقة الرسميّة باسم الجيش، وعلى لسان رئيس حكومتها نتانياهو بقوله أنّ “الموقع لم يعد يشكّل خطراً..”، فيما يلتزم الحزب ما يسمّيه “الغموض البنّاء”، كأنّه بذلك يخفي سرّاً من أسرار الآلهة!
مَن نصدّق، أو بشكل أكثر وضوحاً:لماذا نميل إلى تصديق الرواية الإسرائيليّة؟
من هنا تبدأ الإشكاليّة المزمنة.فقد فقدت، منذ زمن طويل، “سرديّة الممانعة” مصداقيّتها التي بناها الأمين العام الراحل حسن نصرالله، خطاباً طويلاً بعد خطاب شيّق، كان له التأثير البالغ في بيئته الحاضنة، كما في الرأي العام اللبناني والعربي وحتّى العالمي..ولكن، مع استشهاده المثير، وما سبقه وتلاه من تداعيات أمنيّة في عمق جسم الحزب، إنّما أدّى إلى التهاوي السريع لكلّ مداميك الحضور الكاريزمي لنصرالله وهيبته وبلاغته، وبالتالي لمداميك سرديّة النصر الإلهي وتفوّق الرضوان وبدر وفعاليّة 100 ألف صاروخ، وتوازن الرعب بين الضاحية وحيفا من جهة، وبيروت – تل أبيب من جهة أخرى، فإذا هدهد 1 وهدهد 2 طائرات من ورق، وإذا الكلام الكبير عن خسائر غير مسبوقة ستصيب الإقتصاد الإسرائيلي فيما لو أصاب الضاحية خطر، مجرّد كلام عبر الشاشات والميديا..وإذا الوعود بإزالة الكيان المغتصب في 6 دقائق أو أيّام أو أشهر مجرّد أوهام لا تؤدّي إلى الصلاة في القدس والمسجد الأقصى، جنباً إلى جنب مع محمد السنوار والمرشد الأعلام وكافّة الأئمّة المرسلين!
وآخر “الفتاوى الممانعة” – وهذه المرّة على لسان مراسلة محطّة أل بي سي – بأنّ العدو قد سيطر على “مسارين فقط.. في ظلّ عجز اسرائيلي عن إحصاء كلّ الأنفاق داخل علي الطاهر”، أي نحن أمام “حزّورة”:دخل الجيش الإسرائيلي، لا لم يدخل.استولى على مسارين، صحيح ولكن هناك مسارات أخرى في حالة خفاء..الإنكار لا يكفّ عن السيطرة على خطاب الحزب، كمَن يدفن رأسه في الرمل.وكأنّه بهذا الإنكار يراكم الإنتصارت في عقول بيئة باتت تئنّ تحت وطأة النزوح والتفجير والموت وسياسة الأرض المحروقة.بيئة تسمع بالإنتصارات، ولا ترى إلّا مزيداً من الإحتلالات.بيئة تسمع عن تحرير الأسرى من خلال الصمود والقتال، فيما ترى الإفراج عن هؤلاء (تمّ الإفراج عن 5 أسرى) من خلال مسار المفاوضات الذي انتهجته الدولة اللبنانيّة، وسط عاصفة التخوين والرفض والتهويل بالويل والثبور!
وتتتالى التبريرات الجديدة حول “غموض” سقوط التلّة والجبل والحصن المحصّن، طبعاً وسط غياب مطلق للتهديدات الإيرانيّة التي تدور حول “إذا…” الشرطيّة الظرفيّة:
محمود قمّاطي استعاد خطاب النصر.أطلق على الحدث الجلل توصيف “الإنتصار السياسي”..كيف ذلك؟ أنّ نتانياهو قد خسر في ذلك أمام الرأي العام الإسرائيلي.كان الإتّكال على الله، وقد صار – على لسان قمّاطي – على همّة مزاج الناخبين الإسرائيليّين!
ابراهيم الأمين (ومعه معظم الإعلام الممانع) “يلعب” على التعابير الملتبسة:العدو لم يصوّر عمليّة احتلال التلّة.العدو لم ينشر فيلماً عن الأنفاق.العدو لم يستعمل كلمة “احتلّ”..إلى آخره، من الهروب اللفظي الذي لا يغيّر شيئاً في جوهر أنّ “علي الطاهر” قد أضيف إلى مساحة الأرض اللبنانيّة المحتلّة بفضل سلاح الحزب وبفضل حروبه العبثيّة!
وإذا مال سياسيّو الحزب إلى التخفيف من الأهمّية العسكريّة والاستراتيجيّة لسقوط الموقع المطلّ على جبل الريحان وإقليم التفّاح، فإنّ الأكثر “هضامةً” ورد على لسان الكاتب السياسي حسن الدرّ إذ قال:”اليوم علي الطاهر يوقف الإقتصاد العالمي..كفرتبنيت توقف التجارة العالميّة”، ومع دهشة المذيعة المحاوِرة ممّا سمعته، نضيف “لله درّك يا حسن، ما أعظمك على هذا التحليل الذهبي..فقد أدهشتنا (وسلّيتنا) فعلاً”!
“الإنكار المستحيل” (كالحبّ المستحيل) يقتل صاحبه، كما يقتل مَن يحبّ (أي البيئة الحاضنة)، ويقتل كلّ ما يحيط بهذه البيئة، وهو لبنان في هذه الحالة.جميعنا أسرى هذا “الإنكار القاتل”، إلى أن يقضي الله (أو طهران..) امراً كان مفعولا!!
