
بقلم د. نواف كبارة
لقد أثبتت إسرائيل خلال العقود الماضية، وبصورة أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، قدرتها العسكرية الهائلة. استطاعت أن تضرب خصومها في أكثر من ساحة، وأن تستخدم تفوقها الاستخباراتي والتكنولوجي والعسكري لفرض وقائع جديدة، وأن تثبت أنها واحدة من أقوى دول المنطقة عسكرياً.
لكن هنا تظهر المفارقة الكبرى: ماذا ربحت إسرائيل استراتيجياً من كل هذه الانتصارات؟
فالانتصار العسكري لا يصبح انتصاراً تاريخياً إلا عندما ينتج واقعاً أكثر أمناً واستقراراً من الواقع الذي سبقه.
والمشكلة أن مشروع «إسرائيل القلعة» أو «إسرائيل الإمبراطورية العسكرية» قد يحقق انتصارات متتالية في ساحات القتال، لكنه في الوقت نفسه يراكم حول إسرائيل مستويات متزايدة من الرفض والعداء والعزلة.
وهنا يجب التمييز بين القدرة على هزيمة الخصم والقدرة على بناء المستقبل.
قد تستطيع إسرائيل إضعاف حماس أو حزب الله أو إيران أو أي خصم آخر. وقد تستطيع تدمير قدرات عسكرية واحتلال مناطق وفرض شروط أمنية جديدة. لكن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس ماذا يحدث في اليوم التالي للانتصار، بل ماذا يحدث بعد عشر سنوات أو عشرين سنة.
إذا كانت نتيجة كل حرب هي إنتاج جيل جديد أكثر غضباً، وإذا كان كل انتصار عسكري يحتاج بعد سنوات إلى حرب أخرى لحمايته، فإننا لا نكون أمام استراتيجية أمن، بل أمام إدارة دائمة للصراع.
والأخطر أن المشكلة لم تعد محصورة في الشرق الأوسط.
فالصورة الدولية لإسرائيل تتعرض لضغوط متزايدة، وخصوصاً بين قطاعات واسعة من الأجيال الشابة والرأي العام والمجتمع المدني في العديد من الدول. وهذا التحول يجب ألا تنظر إليه إسرائيل باعتباره مجرد مشكلة إعلامية يمكن معالجتها بحملة علاقات عامة أفضل.
إنه خطر استراتيجي محتمل على المدى الطويل.
فالدول، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها. إنها تحتاج إلى الشرعية والعلاقات الاقتصادية والتحالفات والدعم السياسي والقدرة على التواصل مع المجتمعات الأخرى.
وإذا وصلت إسرائيل إلى مرحلة تستطيع فيها الانتصار على معظم خصومها عسكرياً، لكنها تخسر تدريجياً قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، فإنها تكون أمام تناقض خطير:
إسرائيل تصبح أقوى عسكرياً، لكنها قد تصبح أضعف سياسياً.
وهذا ربما يكون أحد أكبر المخاطر على مستقبل الدولة نفسها.
فالقوة العسكرية تستطيع حماية الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها حماية شرعية الدولة لعقود طويلة.
ومن هنا يصبح الخيار الإسرائيلي أكثر وضوحاً.
هناك طريق أول يقوم على استمرار نموذج إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة في الشرق الأوسط: دولة تعتمد على التفوق العسكري، والردع، والعمليات الاستباقية، وتوسيع مجالها الأمني، وربما السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على الأراضي المحيطة بها.
قد يبدو هذا الطريق ناجحاً في المدى القصير لأن إسرائيل تمتلك التفوق اللازم للسير فيه.
لكنه يحمل في داخله مشكلة بنيوية: كل توسع في الهيمنة يحتاج إلى قوة أكبر للمحافظة عليه.
وكل استخدام جديد للقوة ينتج مقاومة جديدة.
وكل مقاومة جديدة تستخدم لتبرير المزيد من القوة.
وهكذا تتحول الدولة تدريجياً إلى قلعة عسكرية تعيش في حالة حرب شبه دائمة.
أما الطريق الثاني فيبدأ من سؤال مختلف تماماً:
بدلاً من أن تسأل إسرائيل كيف تستطيع تغيير الشرق الأوسط لكي يتلاءم معها، لماذا لا تسأل كيف تستطيع أن تصبح جزءاً طبيعياً ومقبولاً من الشرق الأوسط؟
هنا نلجأ الى التشبيه الطبي.
عندما يُزرع عضو في جسم جديد، يكون نجاح العملية في النهاية بقدرة العضو والجسم على الوصول إلى حالة من التوافق. أما محاولة إعادة تشكيل الجسم كله لكي يتناسب مع العضو المزروع فهي وصفة لصراع دائم.
وبالمعنى السياسي، حاول المشروع الإسرائيلي طويلاً تغيير البيئة المحيطة به بالقوة لكي تصبح أكثر ملاءمة لأمن إسرائيل.
ربما حان الوقت لقلب المعادلة.
ليس المطلوب أن تتخلى إسرائيل عن أمنها، ولا عن قوتها، ولا عن حق مواطنيها في العيش بأمان. المطلوب أن تعيد تعريف معنى القوة نفسها.
فإسرائيل التي تعيش بسلام مع دولة فلسطينية مستقلة، وتشارك في اقتصاد إقليمي، وتساهم في مشاريع المياه والطاقة والتكنولوجيا والطب والتعليم، وتفتح جامعاتها ومراكز أبحاثها للتعاون الإقليمي، يمكن أن تصبح أكثر أمناً من إسرائيل التي تمتلك آلاف الأسلحة الإضافية لكنها تحتاج إلى استخدامها كل عدة سنوات.
وهنا يصبح قيام الدولة الفلسطينية أكثر من مجرد حل للقضية الفلسطينية.
إنه بوابة التحول التاريخي في الدور الإسرائيلي نفسه.
فقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وإنهاء الصراع العسكري الطويل يتيحان لإسرائيل الانتقال من منطق «القلعة» إلى منطق «الشريك».
والفرق بين النموذجين هائل.
إسرائيل القلعة تحتاج إلى التفوق على محيطها.
أما إسرائيل الشريك فتحتاج إلى نجاح محيطها.
إسرائيل القلعة ترى قوة الآخرين تهديداً.
أما إسرائيل الشريك فتستفيد من استقرار الآخرين وازدهارهم.
إسرائيل القلعة تحتاج دائماً إلى جدران وحدود وجيوش وحلفاء يحافظون على تفوقها.
أما إسرائيل الشريك فتبني مصالح مشتركة تجعل الحرب نفسها مكلفة للجميع.
وهكذا نصل إلى السؤال التاريخي الذي ربما يكون أهم من سؤال من انتصر في هذه الحرب أو تلك:
هل تريد إسرائيل أن تنتصر على الشرق الأوسط، أم تريد أن تعيش فيه؟
فالخيار الأول قد ينتج انتصارات عسكرية كثيرة، لكنه قد يترك إسرائيل بعد عقود دولة قوية عسكرياً ومحاصرة سياسياً وأخلاقياً.
أما الخيار الثاني فيتطلب تنازلات وتسويات مؤلمة، وفي مقدمتها الاعتراف الحقيقي بالحق الفلسطيني في الدولة وتقرير المصير، لكنه يفتح أمام إسرائيل احتمالاً لم تستطع القوة العسكرية أن توفره لها منذ قيامها:
أن تصبح دولة آمنة، ليس لأن الجميع يخاف منها، بل لأن الآخرين لم يعودوا يرون في وجودها تهديداً لمستقبلهم.
وهذا هو الفارق بين الانتصار العسكري والانتصار التاريخي.
