
بقلم د. نواف كبارة
بعيداً عن أصوات المدافع والطائرات والحروب التي تعصف بالمنطقة، هناك سؤال أكثر عمقاً يجب أن يطرحه العرب على أنفسهم: ما مستقبل القومية العربية، والأنظمة القائمة، والدولة الوطنية العربية نفسها؟
لقد فشل العرب، خلال تاريخهم الحديث، في بناء دولة قومية عربية موحدة، كما فشلوا في إنشاء نظام عربي قادر على تحويل الانتماء القومي المشترك إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية فاعلة. لكن الأخطر أن فشل مشروع الوحدة لم يؤدِّ إلى نجاح الدولة الوطنية كبديل عنه. فبدلاً من أن تتركز الجهود والموارد على التنمية والتعليم والاقتصاد وبناء الإنسان والمؤسسات، أُنفقت ثروات هائلة على الحروب والصراعات والتسلح وحماية الأنظمة القائمة.
وهكذا وصل العرب إلى مفارقة تاريخية قاسية: لم تتحقق الدولة العربية الواحدة، وفي الوقت نفسه أصبحت الدولة الوطنية نفسها مهددة في أكثر من مكان.
نكبة فلسطين وبداية التحول
لا يمكن فهم هذه النتيجة من دون العودة إلى نكبة فلسطين عام 1948.
لم تكن النكبة مجرد هزيمة عسكرية أو ضياع فلسطين وتشريد شعبها، بل كانت أيضاً انهياراً لشرعية النظام العربي الذي كان قائماً آنذاك. فقد كشفت الحرب عجز الأنظمة العربية عن حماية فلسطين، وأظهرت ضعف المؤسسات السياسية والعسكرية التي نشأت في مرحلة ما بعد الاستعمار.
في هذا المناخ برز الجيش في عدد من الدول العربية باعتباره القوة الوحيدة القادرة، في نظر قطاعات واسعة من المجتمع، على تغيير الواقع ومواجهة إسرائيل وإنهاء عجز الأنظمة القائمة.
ولذلك لم يكن صعود الجيش في البداية انقلاباً على الإرادة الشعبية بالضرورة. ففي عدد من التجارب حظي بتأييد شعبي واسع لأنه قدم نفسه باعتباره مشروعاً للتحرير والتحديث والوحدة والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا ارتبط صعود المؤسسة العسكرية بصعود القومية العربية. وأصبحت فلسطين والتحرر من الاستعمار والوحدة العربية والتنمية والعدالة الاجتماعية أجزاء من مشروع تاريخي واحد.
وصل هذا المشروع إلى ذروته مع التجربة الناصرية، التي تجاوز تأثيرها حدود مصر وأصبحت تعبيراً عن حلم عربي واسع بإمكانية بناء قوة عربية مستقلة وقادرة على مواجهة إسرائيل والقوى الكبرى.
لكن المشكلة ظهرت عندما لم ينجح الجيش، الذي وصل إلى السلطة تحت عنوان المواجهة، في تحقيق المهمة التي استمد منها جزءاً أساسياً من شرعيته.
وكانت هزيمة عام 1967 نقطة التحول الكبرى.
فالأنظمة التي وعدت بتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية لم تنجح في ذلك. لكن الهزيمة لم تؤدِّ إلى إعادة النظر جذرياً في طبيعة السلطة أو إلى فتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع.
حدث العكس في حالات كثيرة.
من مشروع التحرير إلى مشروع السلطة
تحوّلت المؤسسة العسكرية تدريجياً من مشروع يسعى إلى تغيير الواقع العربي إلى جزء أساسي من مشروع المحافظة على السلطة.
وهنا بدأ التحول الأخطر في الدولة العربية الحديثة.
بدلاً من البحث عن شرعية جديدة من خلال المشاركة السياسية والمساءلة وتداول السلطة، جرى تضييق المجال السياسي وإضعاف الأحزاب وتقييد الصحافة والحريات وبناء أجهزة أمنية واسعة.
وبدلاً من أن تكون الدولة في خدمة مشروع قومي وتنموي، أصبح جزء متزايد من مواردها موجهاً إلى ضمان استقرار النظام.
وهنا يجب التمييز بين الدولة والنظام.
الدولة هي المؤسسات والقانون والمواطنون والأرض والحدود والمصلحة العامة. أما النظام فهو طريقة إدارة السلطة في مرحلة تاريخية معينة.
لكن في عدد من الدول العربية جرى دمج الاثنين حتى أصبح بقاء النظام يُقدم باعتباره شرطاً لبقاء الدولة.
وكان لهذا التحول ثمن هائل.
فالدولة التي تستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها في مراقبة مجتمعها وحماية نظامها لا تستطيع توجيه القدر نفسه من الموارد إلى التعليم والبحث العلمي والصناعة والتكنولوجيا والتنمية.
وبينما كان العالم يدخل مراحل متتالية من الثورة الصناعية والتكنولوجية، كانت أجزاء واسعة من العالم العربي غارقة في سؤال السلطة ومن يحكم ومن يستطيع المحافظة على الحكم.
إغلاق السياسة وصعود الإسلام السياسي
لكن إغلاق المجال السياسي لا يلغي السياسة.
عندما جرى إضعاف الأحزاب المدنية والقومية والليبرالية واليسارية، بقيت المؤسسات الدينية والمساجد والشبكات الاجتماعية المرتبطة بها من المساحات القليلة التي يصعب على الدولة إغلاقها بالكامل.
وهنا وجد الإسلام السياسي فرصته التاريخية.
فصعوده لم يكن نتيجة قوة الخطاب الديني وحدها، وإنما كان أيضاً نتيجة مباشرة للفراغ الذي أنتجته الأنظمة نفسها.
كلما ضاقت مساحة المشاركة المدنية، ازدادت قدرة الإسلام السياسي على تقديم نفسه باعتباره القوة المنظمة البديلة.
كما أن تراجع المشروع القومي بعد الهزائم العسكرية وفشل مشاريع الوحدة وفر مساحة أيديولوجية هائلة ملأها الخطاب الإسلامي.
وبذلك دخل العالم العربي في معادلة جديدة: أنظمة عسكرية وأمنية تحاول المحافظة على السلطة في مواجهة حركات إسلامية أصبحت القوة المعارضة الرئيسية لهذه الأنظمة وأيديولوجياتها.
وتراجعت بين الطرفين القوى المدنية والديمقراطية التي كان يمكن أن تقدم بديلاً ثالثاً.
وهكذا يمكن قراءة جزء كبير من تاريخ المنطقة من خلال سلسلة مترابطة:
نكبة 1948 أدت إلى أزمة شرعية الأنظمة التقليدية؛ وأزمة الشرعية ساهمت في صعود الجيش؛ وصعود الجيش أنتج أنظمة عسكرية؛ وعجز هذه الأنظمة عن تحقيق أهدافها القومية دفعها تدريجياً نحو حماية السلطة وإغلاق المجال السياسي؛ وإغلاق المجال السياسي ساعد الإسلام السياسي على التحول إلى القوة المعارضة الرئيسية.
2011: انفجار الأزمة المؤجلة
من هنا أيضاً يمكن فهم الانتفاضات العربية التي بدأت عام 2011.
لم تكن تلك الانتفاضات حدثاً مفاجئاً منفصلاً عن التاريخ السابق، بل كانت إلى حد بعيد انفجاراً متأخراً لأزمة المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت لعقود.
لكن نتائجها كشفت مشكلة أكثر خطورة.
فعندما انهار النظام في بعض الدول، ظهر أن مؤسسات الدولة نفسها كانت أضعف مما كان يُعتقد، لأن النظام كان قد ربطها به إلى درجة جعلت سقوطه يهدد بسقوطها.
في ليبيا وسوريا واليمن والسودان وغيرها، وبأشكال مختلفة، لم يعد الصراع فقط حول من يحكم الدولة، بل أصبح حول الدولة نفسها، وحدودها ومؤسساتها وسلاحها وهويتها.
وبدلاً من الانتقال السلس من السلطوية إلى الديمقراطية، دخلت بعض الدول في حروب أهلية وتدخلات خارجية وانقسامات داخلية عميقة.
وهنا ظهرت النتيجة الأخطر للنموذج القديم: عندما يختصر النظام الدولة في نفسه، يصبح انهيار النظام خطراً على الدولة نفسها.
أزمة الدولة الوطنية
اليوم لم يعد السؤال متعلقاً بفشل القومية العربية فقط، بل بمستقبل الدولة الوطنية التي نشأت خلال القرن العشرين.
المشرق العربي بصورة خاصة يعيش أزمة وجودية. سوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين تعيش، بدرجات وأشكال مختلفة، أزمات تتعلق بالسيادة والحدود والقرار الوطني وقدرة الدولة على احتكار القوة.
والسودان يعيش حرباً تهدد وحدة الدولة والمجتمع.
لكن الخطر لم يعد محصوراً في الدول التي تعاني الحروب الأهلية.
فالمواجهة الأميركية الإيرانية واحتمالات توسعها تضع دول الخليج نفسها أمام أخطار أمنية واقتصادية واستراتيجية كبيرة، لأن جزءاً مهماً من الصراع يجري حول منطقة الخليج وممراتها البحرية ومنشآتها ومواردها.
وهكذا أصبحت المنطقة العربية كلها، بدرجات متفاوتة، ساحة تتقاطع فيها مشاريع دولية وإقليمية.
من يقرر مستقبل المنطقة؟
إسرائيل وإيران وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب قوى دولية أخرى، أصبحت أطرافاً أساسية في رسم التوازنات الإقليمية.
وفي عدد متزايد من الأزمات العربية لم يعد العرب وحدهم يقررون نتائج الصراع على أرضهم.
هذه واحدة من أخطر نتائج المرحلة الحالية.
فالمنطقة تمتلك موارد هائلة من النفط والغاز والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية، لكنها لا تمتلك دائماً القدر نفسه من السيطرة السياسية والاستراتيجية على مستقبل هذه الموارد.
والسيادة على الموارد لا تعني فقط امتلاكها قانونياً. السيادة الحقيقية تعني امتلاك القرار بشأن استخدامها وتوجيه عائداتها ضمن مشروع وطني يخدم المجتمع.
هل انتهت القومية العربية؟
أمام هذا الواقع، قد يكون من السهل إعلان نهاية القومية العربية. لكن مثل هذا الاستنتاج سيكون متسرعاً.
الذي وصل إلى نهايته التاريخية، على الأرجح، هو الصيغة القديمة للقومية العربية التي تصورت أن الوحدة تعني بالضرورة قيام دولة عربية مركزية واحدة.
أما وجود فضاء عربي مشترك، لغوياً وثقافياً واقتصادياً وجغرافياً، فلم يختفِ.
بل إن التحولات العالمية تجعل التكامل أكثر ضرورة.
نحن ندخل عالماً تتنافس فيه كتل اقتصادية وسياسية وتكنولوجية ضخمة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصادات العملاقة، تصبح قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على المنافسة منفردة أكثر صعوبة.
لذلك ربما لا يكون مستقبل القومية العربية في إلغاء الدولة الوطنية، بل في إعادة بنائها أولاً، ثم بناء التكامل بينها.
ليس المطلوب دولة عربية واحدة، وإنما فضاء عربي متكامل من دول وطنية قوية.
سوق عربية أوسع، وربط للبنية التحتية والطاقة والنقل، وتعاون علمي وتكنولوجي، وسياسات مشتركة في المياه والغذاء والطاقة والذكاء الاصطناعي، وآليات أكثر فاعلية للأمن الجماعي.
بهذا المعنى، لا تعود العروبة بديلاً عن الدولة الوطنية، بل تصبح امتداداً استراتيجياً لها.
هل تستطيع الأنظمة القائمة الاستمرار؟
لكن ذلك يطرح السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن الأنظمة العربية القائمة؟
النموذج الذي قام على مقايضة المشاركة السياسية بالاستقرار أصبح أكثر صعوبة في عالم القرن الحادي والعشرين.
المجتمعات تغيرت. المعرفة لم يعد بالإمكان احتكارها. وسائل التواصل كسرت السيطرة التقليدية على المعلومات. والذكاء الاصطناعي سيغير بصورة أعمق العلاقة بين المواطن والاقتصاد والدولة والسلطة.
لذلك فإن المحافظة على الدولة لا يمكن أن تعني تجميد النظام السياسي.
بل قد يكون العكس هو الصحيح.
إن قدرة الدولة على الاستمرار تتطلب قدرة النظام على التغيير.
والبديل ليس بالضرورة انهيار الأنظمة أو تكرار تجارب الفوضى والحروب الأهلية، وإنما بناء عملية تحول تدريجية توسع المشاركة السياسية، وتعزز استقلال المؤسسات والقضاء، وتفتح المجال أمام المجتمع المدني والأحزاب، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
الدولة الوطنية الجديدة
إنقاذ الدولة الوطنية العربية يتطلب الانتقال من دولة حماية النظام إلى دولة حماية المواطن.
وهذا يعني إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه.
الأمن ليس فقط جيشاً وحدوداً وسلاحاً.
الأمن هو أيضاً تعليم جيد، ورعاية صحية، وفرصة عمل، وقضاء مستقل، وأمن غذائي ومائي، وحماية اجتماعية، وقدرة على مواجهة التحولات التكنولوجية والمناخية.
إنه الانتقال من مفهوم أمن النظام إلى مفهوم الأمن الإنساني.
فالإنسان الذي يشعر بأن الدولة تحمي كرامته وحقوقه ومستقبله يصبح هو المدافع الأول عنها.
والدولة التي تستثمر في مواطنيها تصبح أكثر قدرة على حماية حدودها وسيادتها من الدولة التي تنفق ثرواتها على ضبطهم.
المشروع العربي الجديد
بعد أكثر من سبعين عاماً من التجارب، يبدو أن ثلاثة مشاريع كبرى وصلت بدرجات مختلفة إلى حدودها التاريخية.
القومية العربية بصيغتها الوحدوية القديمة لم تحقق الدولة العربية الواحدة.
الدولة العسكرية لم تستطع بناء نموذج سياسي مستدام.
والإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي ، عندما وصل إلى السلطة أو اقترب منها، واجه بدوره صعوبة كبيرة في تحويل شعاراته إلى نموذج حديث للدولة يستطيع إدارة مجتمعات معقدة واقتصادات معاصرة.
لكن فشل هذه المشاريع لا يعني نهاية التاريخ العربي.
بل ربما يعني أن الوقت قد حان لبداية مختلفة.
المشروع المطلوب ليس إعادة بناء إمبراطوريات الماضي، ولا إعادة إنتاج الدولة العسكرية، ولا إقامة دولة دينية، ولا المحافظة إلى ما لا نهاية على أنظمة تخشى التغيير.
المطلوب هو دولة وطنية قوية وديمقراطية ومنتجة، تقوم على المواطنة والمشاركة وسيادة القانون، تعترف بالاختبار والحق فيه، وتتعاون مع غيرها من الدول العربية ضمن فضاء اقتصادي وسياسي واستراتيجي مشترك.
العرب والشرق الأوسط الجديد
الشرق الأوسط يعاد تشكيله الآن، سواء شارك العرب في ذلك أم لم يشاركوا.
والسؤال الحقيقي ليس فقط من سينتصر في الحروب الحالية، بل من سيشارك في كتابة قواعد النظام الذي سيأتي بعدها؟
إذا بقي العرب مجموعة دول منشغلة بحماية أنظمتها وصراعاتها الداخلية، فسوف تحدد القوى الأخرى شكل المنطقة وتوازناتها.
أما إذا استطاعوا إعادة بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة والتنمية والمشاركة، ثم تحويل الانتماء العربي من شعار أيديولوجي إلى مشروع للتكامل الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي، فقد تظهر صيغة جديدة تماماً للعروبة.
عندها لن تكون القومية العربية مشروعاً لإلغاء الحدود، بل لجعل هذه الحدود أقل تأثيراً في حركة الإنسان والاقتصاد والمعرفة.
ولن تكون مشروع دولة واحدة، بل مشروع قوة مشتركة.
ولن يكون الهدف حماية الأنظمة من شعوبها، بل بناء دول تحميها شعوبها لأنها تشعر بأنها دولها.
لقد خسر العرب في القرن العشرين حلم الدولة العربية الواحدة.
أما التحدي في القرن الحادي والعشرين فهو أخطر بكثير:
ألا يخسروا الدولة الوطنية أيضاً.
لأن البديل قد يكون شرق أوسط تُرسم توازناته وحدوده، وتُحدد مسارات موارده ومستقبله، بواسطة الآخرين، بينما يتحول العرب من أصحاب مشروع إلى مجرد سكان في جغرافيا يتنافس الآخرون على تقرير مصيرها.
