الشرق الأوسط الجديد(7): مصر ومعركة استعادة الدور

بقلم د. نواف كبارة

لا يمكن الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط من دون مصر. ليس فقط لأنها أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، ولا بسبب موقعها الجغرافي أو حجم جيشها أو تاريخها، بل لأن مصر كانت، طوال جزء كبير من التاريخ العربي الحديث، أحد المراكز الأساسية التي تشكل حولها النظام الإقليمي العربي نفسه. ولذلك فإن السؤال عن مستقبل مصر ليس سؤالاً مصرياً فحسب، بل هو في جوهره سؤال عن مستقبل الدور العربي في الشرق الأوسط الجديد.

منذ ثورة 1952، وبصورة خاصة في عهد جمال عبد الناصر، تحولت مصر من دولة كبيرة إلى مشروع إقليمي. أصبحت القاهرة مركزاً للقومية العربية، ومركزاً ثقافياً وإعلامياً وسياسياً، وقادت المواجهة العربية مع إسرائيل. ولم تكن قوة مصر في تلك المرحلة ناتجة فقط عن قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل عن قدرتها على إنتاج فكرة سياسية تتجاوز حدودها وتجذب قطاعات واسعة من الشعوب العربية.

لكن هزيمة عام 1967 شكلت بداية أزمة هذا المشروع. ثم جاءت وفاة عبد الناصر، وسياسات أنور السادات، وحرب 1973، واتفاقية كامب ديفيد، لتعيد تعريف موقع مصر. استعادت مصر سيناء وخرجت تدريجياً من المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، لكنها دفعت في المقابل ثمناً إقليمياً تمثل في تراجع قدرتها على قيادة النظام العربي كما فعلت في الخمسينيات والستينيات.

تغير النظام وتراجعت مصر

المشكلة، مع ذلك، ليست كامب ديفيد وحدها. فالشرق الأوسط نفسه تغير.
صعدت دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، وتحولت الثروة النفطية والاستثمارية إلى مصدر متزايد للقوة السياسية.

وصعدت إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 بمشروع إقليمي واضح. وعادت تركيا تدريجياً إلى الشرق الأوسط بعد عقود من الانكفاء النسبي. وفي الوقت نفسه، تحولت إسرائيل من دولة تسعى أساساً إلى ضمان بقائها وأمنها إلى قوة عسكرية وتكنولوجية تسعى إلى إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي لمصلحتها.

أما مصر، فقد استهلك جزء كبير من قدراتها في مواجهة مشكلاتها الداخلية: النمو السكاني، والفقر، والبطالة، والمديونية، وضعف الإنتاجية، والحاجة الدائمة إلى تأمين الموارد اللازمة لدولة يزيد عدد سكانها على مئة مليون إنسان.

وهنا حدث التحول الأخطر: امتلكت مصر الحجم، لكنها لم تستطع تحويل هذا الحجم بالقدر الكافي إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية.

ففي عالم اليوم، لم يعد عدد السكان أو حجم الجيش كافياً لصناعة القوة. القوة أصبحت مزيجاً من المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والقدرة العسكرية ورأس المال البشري والقدرة على التأثير في شبكات التجارة والمعلومات العالمية.

مصر ليست دولة انتهى دورها
لكن الاستنتاج بأن الدور المصري قد انتهى سيكون خطأ مماثلاً للخطأ في الاعتقاد بأنه يستطيع العودة ببساطة إلى ما كان عليه.

تمتلك مصر مجموعة نادرة من عناصر القوة. فهي تربط المشرق العربي بالمغرب العربي، والبحر المتوسط بالبحر الأحمر، وأفريقيا بالعالم العربي. وتملك قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية والاستراتيجية في العالم. كما تمتلك كتلة بشرية ضخمة، وجيشاً كبيراً، ومؤسسات دولة راسخة مقارنة بعدد من دول المنطقة، فضلاً عن رصيد ثقافي وتاريخي لا يمكن اختزاله بالأرقام الاقتصادية.
السؤال الحقيقي إذاً ليس: هل تعود مصر إلى قيادة العالم العربي؟
السؤال الأكثر أهمية هو: أي دور تستطيع مصر أن تلعبه في الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن؟

الأزهر والقوة الفكرية المصرية

هناك عنصر آخر في القوة المصرية كثيراً ما يتم تجاهله عند الحديث عن الجغرافيا السياسية، وهو أن مصر تحتضن الأزهر الشريف، إحدى أهم المؤسسات الدينية والتعليمية في العالم الإسلامي.

وهذا يمنح مصر مجالاً من القوة لا تمتلكه معظم دول المنطقة. فالصراع على مستقبل الشرق الأوسط ليس عسكرياً واقتصادياً فقط، بل هو أيضاً صراع على الأفكار وعلى تفسير الدين وعلاقته بالدولة والمجتمع والحداثة.
لقد أصبح تطوير الفكر الديني ضرورة تاريخية. فالعالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والتحولات العميقة في مفهوم الإنسان والعمل والمعرفة، بينما لا تزال أجزاء واسعة من الخطاب الديني تناقش قضايا المجتمع والدولة بأدوات فكرية تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة جذرياً.

ومن هنا يمكن أن يكون للأزهر دور يتجاوز مكافحة التطرف أو نشر ما يسمى بالاعتدال. المطلوب أعمق من ذلك: المساهمة في تجديد الفكر الإسلامي نفسه، وفي إعادة فتح باب الاجتهاد أمام أسئلة الحرية، والمرأة، وحقوق الإنسان، والدولة المدنية، والتعددية، والعلم، والذكاء الاصطناعي، والعلاقة بين النص وحركة التاريخ.

وإذا استطاعت مصر أن تقود عملية فكرية من هذا النوع، فإنها تستعيد جزءاً مهماً من قوتها الناعمة. فالقاهرة لا تحتاج فقط إلى أن تكون مركزاً اقتصادياً وعسكرياً، بل يمكنها أن تعود مركزاً لإنتاج الأفكار في العالم العربي والإسلامي.

الصين والخيار الاستراتيجي المصري
أما العنصر الثاني فهو العلاقة المصرية الصينية المتنامية وما تحمله من دلالات تتجاوز التجارة والاستثمار.
فمصر تقع في قلب واحد من أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة العالمية عبر قناة السويس، بينما تمثل الصين إحدى أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم. ولذلك فإن تطور الشراكة بين البلدين يمكن أن يمنح مصر هامشاً أوسع للحركة في نظام دولي يتجه تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة.

ولا ينبغي النظر إلى العلاقة مع الصين باعتبارها بديلاً بسيطاً عن العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة والغرب. مثل هذا الانتقال من تبعية إلى أخرى لن يكون استراتيجية. القيمة الحقيقية للعلاقة المصرية الصينية تكمن في تنويع خيارات مصر الدولية.

فإذا استطاعت القاهرة تحويل التعاون مع بكين إلى نقل للمعرفة والتكنولوجيا، وتطوير للصناعة والبنية التحتية والطاقة والاقتصاد الرقمي، وربطه بالمشروعات المحيطة بقناة السويس وبالأسواق الأفريقية والعربية، فإن موقع مصر الجغرافي يمكن أن يتحول من مجرد ممر للتجارة إلى مركز للإنتاج والخدمات واللوجستيات.
وهنا تبرز فرصة أكبر: يمكن لمصر أن تصبح نقطة التقاء بين الصين وأفريقيا والعالم العربي وأوروبا.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب ألا تتحول مصر إلى سوق للمنتجات الصينية أو مجرد موقع للاستثمارات الأجنبية. المعيار الحقيقي للنجاح هو مقدار ما تنتقل من معرفة وتكنولوجيا وقدرة إنتاجية إلى الداخل المصري.
المشكلة في مفهوم العودة نفسه
لن تعود مصر إلى موقعها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لأن ذلك الشرق الأوسط لم يعد موجوداً.

لم يعد ممكناً لدولة عربية واحدة أن تقود المنطقة من خلال خطاب قومي مركزي. كما أن مراكز القوة العربية نفسها تعددت. السعودية اليوم ليست السعودية في عهد عبد الناصر، ودول الخليج أصبحت قوى اقتصادية واستثمارية وسياسية لها رؤيتها ومصالحها ومشروعاتها الخاصة.
لذلك لا ينبغي أن تبحث مصر عن استعادة “الزعامة العربية” بالمفهوم القديم، بل عن بناء شراكة عربية جديدة للقوة.

وهنا تبرز بصورة خاصة العلاقة بين مصر ودول الخليج. فالعالم العربي يمتلك عناصر قوة هائلة، لكنها موزعة بصورة غير متوازنة. الخليج يمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار السريع في التكنولوجيا الجديدة، بينما تمتلك مصر الكتلة السكانية، والسوق، والموقع، والجامعات، والقدرات البشرية والصناعية، إضافة إلى القوة العسكرية.

لو تحولت العلاقة بين مصر والخليج من علاقة تقوم في جانب منها على المساعدات والاستثمارات المنفردة إلى مشروع تكامل استراتيجي طويل الأمد، يمكن أن يتغير ميزان القوى في المنطقة.

معركة مصر الحقيقية اقتصادية ومعرفية

لا يمكن لمصر أن تستعيد دوراً إقليمياً مستداماً من دون إعادة بناء قوتها الاقتصادية.
الثورة الاقتصادية المقبلة ستقوم بدرجة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطاقة، وأشباه الموصلات، والبيانات، والصناعات المتقدمة، وأبحاث الفضاء. وإذا بقيت مصر مستهلكة لهذه التكنولوجيا، فإن وزنها السياسي سيواصل التراجع مهما بلغ حجم جيشها أو عدد سكانها.
أما إذا استطاعت تحويل كتلتها البشرية إلى كتلة معرفية، فإن العنصر الذي ينظر إليه اليوم باعتباره عبئاً ديموغرافياً يمكن أن يتحول إلى أحد أكبر مصادر قوتها.

وهنا يجب أن يكون التعليم في قلب مشروع استعادة الدور المصري. فالمعركة الحقيقية ليست على امتلاك مزيد من الأسلحة فقط، وإنما على إنتاج المهندس والعالم والمبرمج والباحث ورائد الأعمال.

مصر والقوى الإقليمية الثلاث

تكمن أهمية مصر أيضاً في أنها الدولة العربية التي تمتلك، من حيث الحجم والموقع والتاريخ والإمكانات، القدرة النظرية على أن تصبح ثقلاً موازناً للقوى الإقليمية الكبرى: إسرائيل وتركيا وإيران.

لكن مصر لا تحتاج إلى بناء إمبراطورية رابعة تنافس الإمبراطوريات الثلاث. ما تحتاج إليه المنطقة هو قطب عربي قادر على منع تحول العالم العربي إلى مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الأخرى.
وهنا يمكن أن تصبح الشراكة المصرية الخليجية أساساً لهذا القطب، مع انفتاح استراتيجي على الصين وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة من دون الارتهان الكامل لأي منها.

مصر التي يحتاجها الشرق الأوسط الجديد

القوة المصرية المستقبلية يمكن إذاً أن تقوم على مجموعة عناصر مترابطة: السكان، والموقع، وقناة السويس، والجيش، والاقتصاد، والمعرفة والتكنولوجيا، والأزهر والقوة الفكرية والدينية، والشراكة مع الخليج، والعلاقة الاستراتيجية المتوازنة مع الصين والغرب، والامتداد الأفريقي.
وهذا يغير السؤال الذي بدأنا منه.
فمصر لا تحتاج إلى استعادة دور عبد الناصر، لأن التاريخ لا يعمل بزر “إعادة التشغيل”، مهما أحب السياسيون هذه الفكرة.

إنها تحتاج إلى إنتاج نموذج جديد للقوة المصرية: دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، مركز اقتصادي وتكنولوجي، قوة فكرية قادرة على المساهمة في تجديد الفكر الإسلامي، وشريك دولي يستطيع التعامل مع واشنطن وبكين وأوروبا من موقع تعدد الخيارات.

لقد انتهى الشرق الأوسط الذي كانت القاهرة تستطيع قيادته بصوت واحد.
لكن الشرق الأوسط الجديد لم يستقر بعد.

وإذا استطاعت مصر الجمع بين الأزهر وقناة السويس، وبين المعرفة والصناعة، وبين الخليج وأفريقيا، وبين الصين والغرب، فإنها لن تكون مضطرة إلى استعادة دورها القديم.
ستكون قادرة على صناعة دور جديد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top