“عيسى” في زوطر.. و”عمّار” في البرلمان!

بقلم جوزاف وهبه

فيما كان النائب علي عمّار ينادي من داخل قاعة البرلمان، وبأعلى صوته، في وجوه النوّاب وفي وجوه اللبنانيين بمَن فيهم بيئته الحاضنة، بأنّ “المقاومة باقية باقية باقية..”، كان السفير الأميركي ميشال عيسى يجول في بلدة زوطر الغربيّة عند الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة (حيث لم يعد يستطيع أن يمضي إليها علي عمّار وصحبه) متفقّداً أحوال الناس ومطّلعاً على معاناتهم (..ولو قلنا أنّ بعض هذه المعاناة إنّما يتأتّى من الدعم العسكري – السياسي الأميركي غير المشروط للدولة المحتلّة)..وفي المشهدين مفارقة مضحكة – مبكية تكمن في أنّ “اليانكي الأميركي” الذي كانت حركته تقتصر على المسافة ما بين سفارة عوكر والقصور الرئاسيّة، بات يرتاح للتجوال في أنحاء جبل عامل، و”المقاوم العابر للحدود” الذي بلغ سوريّا واليمن وأفريقيا وأميركا الجنوبيّة قد تحوّل إلى مجرّد صوت هادر أقرب إلى المفرقعات يجفل منها الصغار، وتثير استياء الكبار، لا أكثر ولا أقل!..

لم يعد لحزب الله ما يفعله سوى الضجيج، والمزيد من الضجيج، كاستنتاج أوّلي لما جرى في جلسات مجلس النوّاب الأخيرة، والتي ابتدأت بالمحاسبة الإفتراضيّة لأداء الحكومة، وانتهت بمحاسبة حادّة لما اقترفته “إسنادات الحزب” المتتالية لنظام بشّار الأسد وغزّة محمد السنوار وإيران علي الخامنئي، بحقّ الجنوب والجنوبيين، وبحقّ اللبنانيّين جميعاً دون استثناء، في لبنان كما في المهجر.

كانت مداخلات (أو المقاطعات العشوائيّة لمداخلات النوّاب الآخرين..) نوّاب كتلة الوفاء للمقاومة (وقد تتالى غياب رئيسها النائب محمد رعد لأكثر من مرّة، ربّما لدواعٍ أمنيّة..) أقرب إلى القنابل الصوتيّة (نحن هنا..كإثبات وجود)، وإلى القنابل الدخانيّة التي يُراد منها تغطية الإنسحاب المريب لمقاتلي النخبة وبدر والرضوان من “تحفة” أنفاق علي الطاهر، حيث باتت النبطيّة (درّة الجنوب..) مكشوفة أمام الآلة العسكريّة للجيش / خيوط العنكبوت، وبات كلّ لبنان في قبضة العدوان، ما جعل ويجعل ميزان القوى في مفاوضات روما مختلّاً بالكامل لمصلحة إسرائيل، ليس بسبب ضعف الدولة اللبنانيّة، وإنّما بفعل حسابات حزب الله الخاطئة، واستسلامه بالكامل لتوجّهات طهران ومصالحها وصراعها المفتوح مع الولايات الأميركيّة المتّحدة!..

الحزب في مأزق، وقيادته (كما شعبيّته، كما شريكه الرئيس نبيه برّي) يدركون ذلك، أيّاً كانت نبرة أصواتهم خلف الميكروفونات.”الميدان” قد كشف هشاشة نفوذهم العسكري، وأسقط جميع سرديّات توازن الرعب، وحماية لبنان من الإحتلال، وتمثيل مصالح الشيعة في لبنان ربطاً بما يُسمّى وحدة الساحات والعقيدة الدينيّة والمصير.لقد تعرّى الحزب من قوّة سلاحه وفعاليّة صواريخه وذكاء مسيّراته الإنتحاريّة.كلّ الفرضيّات القتاليّة سقطت أمام التفوّق الإسرائيلي، بدءً من عمليّة البايجرز الغير مسبوقة، إلى سياسة القضم التدريجي لتلّة علي الطاهر، دون إصابة واحدة، ما يجعل قيادة الحزب أمام الأسئلة الكبيرة:ماذا فعلتم بنا؟ ماذا فعلتم بقرانا وبلداتنا ومنازلنا وكروم العنب والزيتون؟ ماذا فعلتم بأحلامنا ومستقبل أولادنا وجنى العمر؟

قد يستطيع النائب علي الحاج حسن أن يصرخ “تأدّبي” في وجه بولا يعقوبيان، ولكنّه لن يستطيع أن يرفع رأسه امام مسنّة جنوبيّة تنام في خيمة، وقد فقدت أولادها وسقف دارها وحرارة جيرانها وحقل شتلات التبغ!

قد يستطيع النائب علي عمّار أن يتّهم أشرف ريفي بالعمالة لأميركا وإسرائيل، ولكنّه يعجز عن مواجهة ابن المنصوري والنبطيّة في استفساره عمّا حصل – بين ليلة وضحاها – في تلك التلّة التي قيل أنّها “قلعة البطولات والصمود الكربلائي”!..

قد يستطيع النائب إيهاب حماده أن يُدين ويخوّن ويتّهم النائب سامي الجميّل بما شاء وأراد، ولكنّه لا بدّ متلعثماً أمام فتىً من بيئته الحاضنة نشأ على سلسلة الإنتصارات الإلهيّة، ووُلد على هدير انسحاب الدبّابات الإسرائيليّة عام 2000، ليكتشف عام 2026 أنّ كلّ ما سمعه وتربّى عليه هو “أوهام وعنتريّات وأصبع مرفوع..ليس إلّا”!

من جديد: ماذا يعني أن يتواجد “في يوم واحد” السفير الأميركي عيسى في عمق الجنوب..فيما نوّاب حزب الله في قاعة البرلمان يقومون بدور “الفزّاعة”، وكأنّ الناس لا ترى أنّ “الميدان” قد قال كلمته، وليس بالتأكيد لمصلحة المقاومة وسلاحها ومقاتليها وخطابات ممثليها، أكانوا تحت الأرض مع الشيخ نعيم قاسم، أو فوق الأرض مع حماده وعمّار والحاج حسن!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top