الرواية الإسرائيلية… كيف توظف إسرائيل “القوة الناعمة” لصناعة”البروباغاندا”؟

بقلم إحسان الطبش

يعود المسلسل الإسرائيلي “فوضى” في جزئه الخامس بعد 11 عاماً على انطلاقه عام 2015، مستكملاً عالماً درامياً عُرف بالعمليات الأمنية والمطاردات والاغتيالات، لكن الجزء الجديد يأتي في سياق مختلف يرتبط مباشرة بأحداث السابع من أكتوبر والحرب التي تشهدها المنطقة. ومع هذا التحول، تتقاطع الدراما مع السياسة، وتتحول الشاشة إلى مساحة لعرض رواية إسرائيلية عن حدث ما زالت تداعياته حاضرة، ما يجعل “فوضى 5” قابلاً للقراءة خارج إطار الترفيه، وخصوصاً من زاوية الصورة التي يصنعها عن الصراع، والدور الذي تؤديه السينما بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة.

أحد أبرز التحولات في الجزء الخامس هو اتساع نطاق المطاردة ليصل إلى فرنسا، بما يوحي بأن ملاحقة من تعتبرهم إسرائيل متورطين في الأحداث لا تتوقف عند حدود جغرافية محددة. وبهذا الاختيار، تصبح فرنسا جزءاً من الرسالة التي يقدمها العمل: إسرائيل قادرة على الوصول إلى خصومها وملاحقتهم حتى خارج ساحات الصراع المباشر.

لكن الرسالة الأكثر حساسية تظهر في الطريقة التي يوزع بها المسلسل أدوار الضحية والجلاد. فالرواية التي يقدمها تضع الإسرائيليين في مركز تجربة الخوف والفقد والصدمة، وتدفع المشاهد إلى التعاطف معهم، بينما تتراجع إلى الخلفية القدرة التدميرية الإسرائيلية التي شهدها قطاع غزة وجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. وبذلك تصبح معاناة طرف هي مركز الحكاية، فيما تغيب معاناة الطرف الآخر عن المساحة نفسها، وهي زاوية لا يمكن فصلها عن القراءة السياسية للعمل.

من هنا تبرز “البروباغاندا” بوصفها إحدى أهم الزوايا التي يمكن من خلالها قراءة “فوضى 5”. فالدعاية لا تحتاج دائماً إلى خطاب مباشر يطلب من المشاهد تبني موقف محدد، بل يمكن أن تعمل من خلال اختيار زاوية واحدة للأحداث، ومنح شخصيات معينة موقع البطولة والضحية، وربطها بالخوف والفقد والانتقام. وبهذه الطريقة، تصل الرسالة السياسية إلى المشاهد من خلال القصة والشخصيات والمشاعر قبل أن يبدأ في تحليلها.

وهنا تظهر القوة الناعمة، أي السينما والدراما، كأداة أساسية في هذا البناء. فالمسلسل يستفيد من التقنيات المتطورة، والحبكة، والإيقاع، والشخصيات ذات الكاريزما، ليحوّل الرسالة السياسية إلى تجربة درامية جذابة. وبدلاً من أن تصل الرواية عبر تصريح سياسي أو خطاب مباشر، تصل عبر شخصية يريد المشاهد معرفة مصيرها، ومشهد يستدرجه عاطفياً، وحكاية تدفعه إلى متابعة الأحداث.

وتوظيف السينما للتأثير في أفكار الجمهور أو تغيير الصورة الذهنية تجاه قضية أو صراع ليس أسلوباً جديداً. فقد استُخدمت خلال الحربين العالميتين للتأثير في الرأي العام وتوجيه الخطاب المجتمعي، واستمر توظيفها خلال الحروب والصراعات في مراحل لاحقة، ومن أبرز الأمثلة التجربة الأميركية في استخدام الإنتاج السينمائي والدرامي لتقديم صور محددة عن القضايا والأحداث والشخصيات. لذلك، فإن التعامل مع السينما باعتبارها مجرد ترفيه يغفل قدرتها على التأثير في الوعي، خصوصاً عندما تتكامل القصة والصورة والشخصيات في إيصال رسالة معينة.

وتظهر هذه الآلية منذ الحلقة الأولى، حيث يبرز التناقض بين الصداقة الشخصية والصراع الأكبر المحيط بالشخصيات، فيدخل المشاهد إلى العلاقات الإنسانية قبل أن يواجه أبعاد الصراع السياسي والأمني. وفي الحلقة الثانية، يتقدم الإسرائيليون أكثر إلى موقع الضحية والمظلوم، ويُبنى التعاطف حول تجربتهم، بما يدفع المشاهد إلى رؤية الأحداث من زاويتهم.

أما الحلقة الخامسة، فتضع الرواية الإسرائيلية والقضية الفلسطينية في مساحة واحدة، بينما تلفت الحلقة السادسة إلى عالم تتداخل فيه السياسة والمال، مع استمرار تقديم الشخصيات الإسرائيلية، ولا سيما الأبطال، بصورة القوة والقدرة على المواجهة. ويعزز المسلسل هذه الصورة من خلال جعل الشخصيات الرئيسية تبدو الأقوى والأكثر قدرة على النجاة، بحيث لا يموت الأبطال بسهولة، ويبقى الطرف الإسرائيلي في موقع من يملك زمام المبادرة.

وتأخذ الحلقتان السابعة والثامنة بعداً مختلفاً بسبب الطريقة التي جرى تقديمهما بها. فقد وضعت نتفليكس تحذيراً واضحاً يشير إلى أن الحلقتين تحتويان على مشاهد وأصوات قد يصعب تحمّلها، مع الدعوة إلى توخّي الحذر، خصوصاً لمن مرّوا بتجارب طارئة، والتأكيد أن الحبكة الرئيسية ستبقى واضحة لمن يختار عدم مشاهدتهما والانتقال إلى الحلقات التالية. ورغم أن التحذيرات من المشاهد الصادمة ليست أمراً جديداً في السينما والتلفزيون، فإن وضع هذا التحذير أمام حلقتين تتناولان السابع من أكتوبر يفتح باباً لقراءة أعمق؛ فالمسلسل لا يكتفي بعرض الحدث، بل يهيئ المشاهد نفسياً لما سيراه، ويضعه أمام مشاهد الخوف والصدمة والألم، بما يعزز حضور تجربة الضحايا الإسرائيليين داخل الرواية.

وفي الحلقة الحادية عشرة، وهي الأخيرة، يبرز جانب آخر من مهارة الشخصيات الإسرائيلية داخل المسلسل، يتمثل في قدرتها على التلاعب بعواطف الشخصيات الأخرى واستدراجها، خصوصاً خلال التحقيقات. فغرف التحقيق تُقدَّم باعتبارها مساحة يعرف فيها المحققون جيداً ماذا يفعلون، وكيف يقرأون الشخص الذي أمامهم ويستغلون نقاط ضعفه ومشاعره للوصول إلى المعلومات التي يريدونها. وحتى عندما يكون الشخص متمسكاً بقضيته ومقتنعاً بموقفه، يتمكنون من دفعه تدريجياً إلى الكلام وكشف ما لديه من معلومات، ما يظهرهم داخل المسلسل كمتمرسين في التحقيق والاستدراج النفسي.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند “فوضى” نفسه، بل تكشف فجوة أكبر في استخدام القوة الناعمة. فالرواية الفلسطينية والعربية وحتى اللبنانية تبدو بعيدة عن استثمار السينما بالفاعلية نفسها، في وقت يجري فيه توظيف الإنتاج الدرامي الإسرائيلي للوصول إلى جمهور واسع. وهنا تبرز مشكلة حضور الروايات المقابلة وقدرتها على الوصول إلى الجمهور نفسه.

وتزداد أهمية هذه النقطة عندما يصل العمل إلى الجمهور اللبناني. فبعد 11 عاماً على بدء عرضه في إسرائيل عام 2015، تصدّر الجزء الخامس قائمة المسلسلات الأكثر مشاهدة على نتفليكس في لبنان، رغم الجدل والانتقادات التي رافقت المسلسل باعتباره عملاً يروّج للرواية الإسرائيلية ويتناول القضية الفلسطينية من وجهة نظر إسرائيلية. وهكذا تجد رواية صُنعت من داخل إسرائيل طريقها إلى المشاهد اللبناني والعربي عبر منصة عالمية، بما تحمله من صور وشخصيات ورسائل.

ومن هنا، فإن التعامل مع “فوضى 5” باعتباره عملاً ترفيهياً فقط يعني تجاهل جانب أساسي من تأثيره. فالمسلسل يجمع بين السياسة والدراما، ويقدم روايته من خلال الشخصيات والحبكة والمشاهد الصادمة، لا عبر خطاب سياسي مباشر. وهذه هي إحدى نقاط قوة الدراما: أن الرسالة يمكن أن تصل إلى الجمهور من داخل القصة نفسها.

إسرائيل فهمت قيمة هذه القوة الناعمة واستثمرت فيها، بينما لا تزال الرواية العربية عموماً واللبنانية-الفلسطينية خصوصاً متأخرة في استثمار الأداة نفسها. ومن هنا، فإن مواجهة هذه “البروباغاندا” لا تكون فقط بانتقادها، بل بإنتاج رواية قادرة على الوصول إلى العالم بالطريقة نفسها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top