الجامعة اللبنانية: أزمة حوكمة تتجاوز الرئاسة والتفرغ

تُشبه حالة الجامعة اللبنانية اليوم تلك الظاهرة في الطبيعة، حين تجنح الحيتان والدلافين فجأة نحو الشواطئ الضحلة، وكأنها تفقد البوصلة التي وجّهتها لسنوات في الأعماق.

فالجامعة الوطنية، التي كانت مساحة الترقي الاجتماعي والجسر الأهم لنقل الشباب اللبناني نحو آفاق الوعي والإبداع، تبدو وكأنها تُساق نحو شاطئ التعطيل الإداري؛ لا بقرار صريح، بل بفعل إهمال بطيء وتفكيك تدريجي لمؤسساتها وقواعد حوكمتها.

تبدو أزمة الجامعة في وسائل الإعلام محصورة في ملفين منفصلين: اختيار رئيس جديد، وحسم تفرغ الأساتذة المتعاقدين. غير أن الوقائع تكشف أزمة حوكمة في جوهرها، تتصل ببنية المؤسسة وآليات صناعة القرار فيها؛ إذ لا تضم الجامعة مجلس جامعة قائماً يمارس صلاحياته الأكاديمية والإدارية، فيما يتولى عدد من العمداء مهامهم بالتكليف.

وهذا الواقع يضع المؤسسة أمام سؤال بنيوي: كيف تُدار الجامعة في ظل عدم اكتمال أجهزتها؟ وما الضوابط التي تحكم التدابير المؤقتة، كي لا تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى قاعدة دائمة تمسّ مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص؟

يقوم نظام الجامعة على توزيع واضح للصلاحيات. فبموجب المادة 10 من القانون 75/1967، كما عدّلها القانون 66/2009، يختار مجلس الجامعة خمسة مرشحين لرئاسة الجامعة، ترفعهم وزيرة التربية إلى مجلس الوزراء الذي يملك صلاحية التعيين.

غير أن المشرّع لم يغفل احتمال تعطّل المجلس، فنصّت المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي 49/1977 على أن وزير التربية ينوب عنه في الترشيح حين يتعذر عليه ذلك لأي سبب، وهو نص طُبّق في استحقاق عام 2021. أي أن القانون حدّد من يسدّ الفراغ، وليس بين هؤلاء أحد المرشحين.

وفي المقابل، قد تفرض استمرارية المرفق العام تدابير مؤقتة، لكن مشروعيتها مرهونة بثلاثة شروط: سند قانوني واضح، وحدّ زمني، وخضوع للرقابة، كي لا يصبح الاستثناء بديلاً دائماً عن المؤسسة الأصلية.

وقد ذهب المجلس الدستوري في هذا الاتجاه حين رأى أن السلطة العامة لا تستمد من تقصيرها سبباً لتعطيل القاعدة، وأن استمرارية المرفق لا تعني استمرار شخص بعينه.

وتتجلى إشكالية الحوكمة في أوضح صورها في مسار الترشيح لرئاسة الجامعة. فبحسب معلومات صحافية، تولى الرئيس الحالي، الدكتور بسام بدران، في غياب مجلس الجامعة، اختيار أربعة أسماء إلى جانب اسمه ورفع اللائحة إلى وزيرة التربية، من دون أن تنشر الوزارة أو الجامعة أسماء المرشحين. وهذا يخالف سابقة عام 2016، حين أعلن مجلس الجامعة لائحة المرشحين ثم الأسماء الخمسة الفائزين.

ويثير ذلك سؤالاً قانونياً أساسياً: من يملك صلاحية اختيار اللائحة، وكيف تُضمن حيادية العملية؟ فالقانون أناط الترشيح بمجلس الجامعة، وعند تعذره بوزير التربية، ولا نجد في نصوصه ما يتيح لأحد المرشحين أن ينفرد باختيار منافسيه.

ويكتسب السؤال وزنه من خلفية تشريعية معروفة. فقد عُيّن الدكتور بدران بالمرسوم 8415 في تشرين الأول 2021 لولاية من خمس سنوات تنتهي في منتصف تشرين الأول 2026، وكان القانون 66/2009 يمنع تجديدها إلا بعد انقضاء ولاية كاملة.

ثم صدر القانون 45/2026 في 17 تموز، فجعلها قابلة للتجديد مرة واحدة، ومدّد ولاية الرئيس ستة أشهر مع حفظ حقه بالترشح.

وفي قراره 8/2026 الصادر في 3 أيلول، أبقى المجلس الدستوري قاعدة التجديد بوصفها قاعدة عامة مجرّدة، وأبطل التمديد وحفظ حق الترشح لأنهما يخصّان شخصاً واحداً ويجمعان له بين البقاء في المنصب والترشح إلى ولاية جديدة.

كما أبطل إلزام مجلس الوزراء بتعيين العمداء بالأصالة لمخالفته مبدأ فصل السلطات، ولانعدام الصلة بين تعيين العمداء وتجديد ولاية الرئيس. لكن إبطال هذا الشرط لا ينفي الحاجة المؤسسية إلى نقل العمداء من التكليف إلى الأصالة.

وحذّر المجلس، في تعليله، من التضارب الواضح بين صفة المرشح وصفة رئيس الهيئة المرشِّحة، إذ يترأس رئيس الجامعة مجلس الجامعة المولج بالترشيح. وإن جاء التحذير في سياق التمديد، فمنطقه يسري على كل وضع يجمع بين الترشح والإشراف على الترشيح.

غير أن أثر القرار في ترشح الرئيس الحالي لا يزال موضع قراءتين.

الأولى ترى أن إبطال الفقرة الانتقالية لا يمسّ القاعدة العامة القابلة للتجديد لمرة واحدة، وهي قاعدة لا تستثني أحداً من حيث المبدأ. وهذا ما أوضحه رئيس المجلس الدستوري حين أكد أن القرار لم يُسقط حق الرئيس الحالي في الترشح، وأن قرار التعيين يعود إلى مجلس الوزراء.

أما القراءة المقابلة، التي عبّرت عنها النائبة حليمة القعقور، إحدى مقدّمي الطعن، في سؤال وجّهته إلى الحكومة، فتميّز بين قاعدة عامة تسري على الرؤساء المقبلين وحق استثنائي للرئيس الحالي كان مستنداً حصراً إلى الفقرة التي أُبطلت.

وبحسب هذه القراءة، يصبح التجديد نصاً حياً للمستقبل وميتاً بالنسبة إلى الاستحقاق الحالي، ويتجرد ترشح الدكتور بدران لولاية ثانية من أي سند نافذ، ويغدو إلباسه القاعدة العامة التفافاً على روح القرار الذي صان عمومية النص التشريعي وحياد إدارة المرافق العامة.

وأياً يكن الترجيح، فإن الحسم لا يكون بتبادل التأويلات، بل بموقف معلّل من مجلس الوزراء يعلن سنده القانوني، وبرقابة القضاء عند الاقتضاء.

من هنا تستدعي المصلحة العامة نشر الأساس القانوني الذي اعتُمد في إعداد اللائحة ومعايير الاختيار، وبيان كيفية توفيقه مع تكافؤ الفرص والحياد بين المرشحين. فكلما غابت المحاضر والمعايير المعلنة، اتسعت احتمالات التشكيك والطعن، حتى في حال عدم ثبوت مخالفة محددة.

وتتوزع المسؤولية بين الجهات كلها: رئاسة الجامعة مطالبة بتوضيح مرجعية الإجراء، ووزارة التربية، المخوّلة قانوناً بالنيابة عن المجلس، مدعوة إلى التثبت من سلامة الملف بدل تمرير اللائحة شكلياً، ومجلس الوزراء مسؤول عن التحقق من قانونية المسار قبل مرسوم التعيين.

والغاية ليست الحكم على شخص بعينه، إذ لا تعني استمرارية الجامعة استمرار أحد؛ بل التحقق مما إذا كان الإجراء منسجماً مع الضمانات التي افترضها القانون. فالمسؤولية مؤسسية متراكمة، لا تُحمَّل لجهة واحدة.

وإذا كانت الرئاسة تكشف خلل الحوكمة في القرار القيادي، فإن التفرغ يكشفه في القرار الأكاديمي. فالأساتذة المتعاقدون بالساعة يغطون حاجات تعليمية فعلية، وقد أمضى بعضهم أكثر من عقد بلا استقرار وظيفي.

وكان مجلس الوزراء قد قرر في 16 شباط 2026، بقراره رقم 17، تفريغ 1690 أستاذاً على أربع دفعات، لكن الأسماء والآلية لم تُقرّ بعد في ملف معلّق منذ نحو اثني عشر عاماً، وقد أرجأ المجلس البت فيه في جلسة 10 أيلول.

والمنظور المؤسسي يقتضي ألا يُعالج الملف كمنحة سياسية أو تسوية ظرفية، بل كمسار شفاف بمعايير منشورة ترتبط بحاجات الكليات والنصاب التدريسي والتخصص. وقد تحدثت معلومات صحافية عن خلاف بين معيار الأقدمية ومعيار الحاجة والإنصاف، وهو خلاف لا يحسمه سوى قرار معلّل ومعايير معلنة.

وفي المقابل، يعيش الأستاذ المتعاقد تحت ضغط عدم الاستقرار المهني وتأخر المستحقات.

وقد أعلنت لجنة المتعاقدين، في تصعيد يأتي بعد تراكم طويل من التأجيل، استمرار الإضراب الذي بدأ مطلع أيلول حتى إقرار الملف بالأسماء، فيتوزع الأثر بين أستاذ يفتقر إلى الاستقرار، وطالب يهتز انتظام دراسته، وجامعة تضعف قدرتها على إدارة ملفاتها.

إن معالجة الملفات العالقة تتطلب من الحكومة اعتماد خريطة طريق متكاملة: تبدأ بنقل العمداء من التكليف إلى الأصالة وتشكيل مجلس الجامعة، وتُستكمل بقرار معلّل من مجلس الوزراء في ملف التفرغ، ونشر معاييره، وإنهاء التضارب بين المهام التنفيذية والترشحات الفردية.

ويستدعي إنقاذ الجامعة ترجمة ما أكده رئيس الجمهورية، جوزاف عون، خلال زيارته الإدارة المركزية للجامعة في تموز 2025، من أنها جامعة كل اللبنانيين وأن الدولة ستعمل على تمكينها من رسالتها.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمن سيتولى الرئاسة وحده، ولا بمن سيشمله التفرغ وحده، بل بما إذا كانت الجامعة ستعود إلى إنتاج قراراتها من داخل مؤسساتها المكتملة.

فالاستثناء قد يكون ضرورياً حين تتعطل المؤسسات، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلاً دائماً عنها.

الجامعة اللبنانية ليست ملفاً إدارياً ولا موقعاً سياسياً؛ إنها مؤسسة وطنية عامة، واستقرارها الأكاديمي جزء من استقرار الدولة نفسها. ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: بجعل القانون قبل الشخص، والمؤسسة قبل المنصب، والجامعة قبل الجميع، كي لا تجد الجامعة نفسها يوماً وقد فقدت بوصلتها وجنحت نحو الشاطئ، كما تجنح الحيتان والدلافين.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top