
بقلم د. نواف كبارة
أثار المقال النقدي الذي كتبه الأستاذ جوزيف وهبة حول حركة رؤساء المؤسسات والمصالح سؤالاً يتجاوز تقييم هذه المبادرة نفسها إلى سؤال أكبر: كيف يمكن أن تنهض طرابلس؟
في اعتقادي أن علينا التمييز بين مستويين من النهوض.
المستوى الأول يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى: إعادة تشغيل مصفاة طرابلس وتطويرها، توسيع المرفأ، تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة، وتشغيل مطار القليعات. هذه مشاريع أساسية لمستقبل طرابلس والشمال، لكنها تحتاج إلى قرارات وتمويل واستثمارات على مستوى الدولة، ولا تستطيع المدينة إنجازها بمفردها. وهذا دور يعود اولا إلى نواب المدينة.
أما المستوى الثاني فهو المدينة نفسها: الكهرباء، النظافة، السير، النقل، الأسواق، الإنارة، الأرصفة، المساحات العامة، السياحة، الفنادق، المطاعم، النشاط الثقافي والاقتصادي، ونوعية حياة الناس.
وهنا علينا أن نفكر من خارج الصندوق.
لقد أمضت طرابلس عقوداً تطالب الدولة بحقوقها، وغالباً ما كانت النتيجة المزيد من الانتظار. المطلوب اليوم ليس التخلي عن هذه المطالب، بل العمل بالتوازي وفق مبدأ بسيط:
طرابلس تستطيع أن تبدأ بالنهوض اعتماداً على إمكاناتها الذاتية.
ولنذهب بالفكرة أبعد. فلنتعامل مع طرابلس، مجازاً، وكأنها شركة مساهمة يملكها أبناؤها وسكانها. كل من يعيش فيها له مصلحة في نجاحها، وكل مؤسسة تعمل فيها تستفيد من نموها، وكل مغترب ينتمي إليها يستطيع أن يكون شريكاً في نهضتها.
لكن أي شركة ناجحة تحتاج إلى إدارة. ومن هنا أقترح إنشاء مجلس إدارة لطرابلس، لا ليحل محل المجلس البلدي أو المؤسسات الرسمية، ولا ليصادر صلاحياتها القانونية، بل ليكون إطاراً جامعاً للتخطيط والتنسيق والتنفيذ والمتابعة.
يضم هذا المجلس ممثلين عن البلدية، غرفة التجارة، معرض رشيد كرامي، ادارة المرفأ، الجامعات، النقابات، القطاع الخاص، المجتمع المدني، الشباب والاختصاصيين، إضافة إلى شخصيات من الاغتراب الطرابلسي. وتكون مهمته وضع رؤية اقتصادية وتنموية واحدة للمدينة ومتابعة تنفيذها وفق أهداف ومؤشرات معلنة.
فطرابلس لا تعاني من غياب المؤسسات بقدر ما تعاني من أن كل مؤسسة تعمل وحدها.
وعلى «مجلس إدارة طرابلس» أن يبدأ من سؤال عملي: ما هي أصول المدينة، وكيف نحولها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية؟
لنأخذ السياحة مثالاً. عند تلزيم فندق معرض رشيد كرامي يصبح لدينا حوالى 235 غرفة فندقية في المدينة. لكن الغرف وحدها لا تصنع السياحة. علينا خلق الطلب عليها من خلال المؤتمرات والمعارض والمهرجانات والسياحة التراثية والمطبخ الطرابلسي، وجعل طرابلس قاعدة لزيارة الشمال كله.
لكن لا سياحة ولا استثمار ولا حياة اقتصادية جدية من دون كهرباء. لذلك يجب أن يكون مشروع الكهرباء 24/24 أحد أعمدة الخطة. فأهل طرابلس ومؤسساتها يدفعون أصلاً مبالغ كبيرة للحصول على الكهرباء من مصادر متعددة. المطلوب دراسة إعادة تنظيم هذا الإنفاق ضمن نموذج قانوني ومستدام يؤمن كهرباء مستقرة بكلفة أقل، بالتعاون مع الجهات العامة المختصة والقطاع الخاص. ويعتمد هذا الحل على ان ينشى مجلس ادارة طرابلس شركة تؤمن الكهرباء لكل المدينة بدل الموتور ويعود ارباح الشركة إلى صندوق انماء طرابلس. باخرة كهرباء ترسو في مرفأ طرابلس يتم وصلها بكهرباء قاديشا ستؤمن الكهرباء ٢٤/٢٤ وبأسعار اقل وبارباح تتعدى الخمس ملايين دولار سنويا. ونفس الفكرة فيما يخص النفايات.
وهنا يأتي دور صندوق طرابلس للتنمية ليكون الذراع المالية لهذه الرؤية، بإدارة مستقلة وشفافة. يساهم فيه القطاع الخاص والمغتربون والمؤسسات وأبناء المدينة، وتضاف إليه الإيرادات التي يمكن توليدها من استثمار الكهرباء والنفايات وبعض أصول المدينة ومواقف السيارات والإعلانات والأسواق والمرافق والأنشطة.
ويمكن إنشاء صناديق أصغر للأحياء، بحيث يعرف المواطن أن مساهمته تعود مباشرة إلى تحسين الحي الذي يعيش فيه: إنارة، أرصفة، تشجير، نظافة أو مساحة عامة.
أما المؤسسات الدولية والصناديق العربية والجهات المانحة، فنذهب إليها بعد أن نكون قد حددنا نحن ما نريد. لا نسألها ماذا تريد أن تنفذ في طرابلس، بل نقدم لها مشروع طرابلس ونطلب منها أن تكون شريكاً في تمويل أجزاء منه.
ويبقى الشرط الأساسي هو الثقة. كل دولار يدخل يجب أن يكون معروف المصدر، وكل دولار يصرف يجب أن يعرف المواطن أين ذهب. فالشفافية هنا ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل أساس لاستمرار المشروع.
بهذه الطريقة يصبح لدينا تسلسل واضح:
رؤية لطرابلس، مجلس إدارة يقودها، خطة تحدد الأولويات، وصندوق يمول التنفيذ.
ونستمر في الوقت نفسه في مطالبة الدولة بالمطار والمرفأ والمصفاة والمنطقة الاقتصادية، لأن هذه مسؤوليتها ولا يجوز إعفاؤها منها.
لكننا نتوقف عن جعل مستقبل طرابلس معلقاً بالكامل على قرار يأتي من بيروت.
فلنتعامل مع طرابلس باعتبارها شركة مساهمة كبرى، أسهمها ليست في البورصة، بل يملكها كل من يعيش فيها وينتمي إليها. ونجاحها يعود على الجميع، كما أن فشلها يدفع ثمنه الجميع.
عندها يتغير السؤال من: ماذا ستفعل الدولة لطرابلس؟
إلى السؤال الذي يجب أن يشكل بداية المرحلة المقبلة:
ماذا نستطيع نحن أن نفعل بطرابلس ومن أجل طرابلس؟
