
بقلم الياس عيسى الياس
أحياناً، يكفي أن يقف مواطن واحد ليقول جهاراً ما يتهامس به كثيرون في سرّهم، لتنقلب الدنيا عليه وتُعقد له المحاكمات.
هذا ما حدث في مدينة النبطية أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لمتابعة شؤون المنطقة المتضررة والوقوف على حاجات أهلها؛ إذ وقفت سيدة جنوبية تُدعى عبير مروّة وسط الناس، وفي لحظة حرقة لا إعداد فيها، خاطبت رئيس الحكومة والحاضرين بنبرة صادقة يملؤها الوجع: “تعبنا.. بدنا الدولة، بدنا الجيش وبدنا نعيش بأمان”.
لم تكن عبير تُعدّ لمعركة ضد أحد، بل كانت تعبّر عن خوف أهلٍ أكلت الحروب المتتالية بيوتهم وأعمارهم وأعصابهم.
غير أن الصدمة لم تكن في مضمون الكلام، بل في أن مواطنة عادية تجرأت ورفعت صوتها برأيها الخاص دون أن تستأذن أحداً من أركان البيئة الحزبية أو الطائفة.
سريعاً، تحولت المقاطع المصورة لحديثها إلى مجال لسجال واسع؛ فبينما اندفعت أصوات كثيرة من داخل الجنوب وخارجه للتضامن معها والتأكيد على حقها البديهي في التعبير عن وجعها، شن بعض الناشطين والمؤيدين لحزب الله على منصات التواصل حملات تشهير حادة تجاوزت مناقشة كلامها السياسي إلى التنقيب في حياتها الشخصية وإثارة جملة من الاتهامات التخوينية ضدها وضد عائلتها.
هذه القصة تفتح الجرح القديم: من يملك حق القرار في هذا الوطن؟
وهي تستعيد شيئاً من ممارسات مرحلة الوصاية السورية، حين كانت حركة السياسيين والمسؤولين تُرسَم لها خطوط أمنية تتجاوز المؤسسات الدستورية.
واليوم، يتجدد هذا التوتر في صورة أخرى بين مشروع دولة تحاول بسط سلطتها وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية، وبين منطق حزبي يرفض الالتزام بحدود الدولة ويصر مناصروه على احتكار التحدث باسم الجنوب وأهله.
ولأن الموقف السياسي لعبير كان واضحاً، حاول بعض المهاجمين الالتفاف عليه بنبش حياتها الشخصية، فكان أول المآخذ تداول ناشطين تفاصيل عن زواجها من رجل مسيحي وعن خيارات عائلتها الدينية، مستخدمين إياها أداةً للإساءة إليها.
وهنا تنكشف الفجوة الكبيرة بين خطابهم الذي يتغنى بـ “الانفتاح” و”العيش المشترك”، وبين ممارسة ميدانية تتعامل مع خيارات المواطن الشخصية كخروج عن الجماعة يستوجب الملاحقة والوصم.
أما المأخذ الثاني الذي أثير ضدها، فكان اتهامها بـ “التنكر” لشهادة أقرباء لها سقطوا سابقاً في صفوف حزب الله.
لا أحد ينكر حساسية ملف الشهداء في وجدان أهاليهم ورفاقهم، ومن حق أي مواطن أن يدافع عن خياراته السياسية أو ينتقد طريقة عبير وتوقيت كلامها أمام الإعلام، فهذا نقد مشروع في الفضاء العام.
لكن ما ليس مشروعاً هو تحويل صلة الدم إلى قيد أيديولوجي يلزم العائلة بأكملها بالتماهي الحزبي المطلق إلى الأبد.
فجبل عامل لطالما كان فضاءً للعلم والاجتهاد والتعدد واختلاف الآراء، والشهادة في وجدان أبنائه هي دفاع عن الكرامة والحرية، وليست وثيقة يملكها تنظيم لمصادرة عقول الأحياء وتخوينهم إذا طالبوا بالسلام والأمان.
وجاء المأخذ الثالث حلقةً أخرى من التضييق، إذ حاول البعض تقويض حقها في القول بحجة أنه لا يحق لها أن تتحدث باسم أهالي النبطية لأن أصلها يعود إلى بلدة عين قانا المجاورة؛ وكأن ابن الجنوب وابنته يحتاجان إلى شهادة ولاء سياسي ليعبّرا عن وجعهما في أي مدينة أو قرية.
الجنوب ليس مقاطعة مقفلة تُوزَّع فيها حقوق التعبير بحسب الولاء، بل هو جزء أصيل من لبنان الذي يكفل دستوره لكل مواطن حق التنقل والإقامة والتعبير عن رأيه في أي شبر من أرضه.
غير أن المفارقة الأبرز تمثلت في الاعتراض على مخاطبتها لرئيس الحكومة ومطالبتها بـ “بدنا الدولة”.
فكيف يكون التعامل مع الدولة ومطالبتها بالإعمار والتعويض والحماية أمراً مشروعاً حين يمارسه نواب حزب الله ورؤساء بلدياته، ويصير تهمة واستفزازاً حين تطالب به امرأة جنوبية تخاف على بيتها وأولادها؟
الخيانة بنظر هؤلاء لم تعد تعني التعامل مع العدو أو بيع الوطن، بل أصبحت تعني مجرد التفكير خارج الاصطفاف الحزبي.
الخيانة لديهم هي رفض القرارات الجاهزة المعلبة والاستماتة في طلب الحياة، بينما اختارت عبير مروّة أن تتحمل مسؤولية عقلها وضميرها، منسجمة مع مقولة تُنسب إلى الثائر غيفارا وتضعها على صفحتها الشخصية: “إذا فُرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرّد، سيفقد إنسانيّته شيئاً فشيئاً”.
إن الشتائم وحملات التشهير التي انطلقت على مواقع التواصل ضد امرأة عزلاء لا تعبّر عن قوة المهاجمين، بل تكشف عجزاً عن مواجهة الموقف بالحجة والمنطق.
فالقوي بفكره لا يحتاج إلى تجريح الناس في كراماتهم، والتجييش الإلكتروني لم يزد هذا الخطاب إلا انكشافاً، وأظهر حاجة كثيرين إلى دولة تحميهم.
وهنا يبدأ اختبار الدولة الحقيقي: الحكومة، ورئاسة الجمهورية، والمؤسسات الأمنية والقضائية.
فالشرعية لا تُقاس بما تعلنه من مواقف وقرارات، بل بقدرتها على حماية المواطن حيث يخاف، وحيث تنازعها قوى الأمر الواقع سلطتها، وعلى أن تُطمئن كل مواطن إلى أن القانون يحميه أياً كان رأيه.
ومن هنا يصبح التضامن مع حرية التعبير مطلباً سياسياً مباشراً.
فلا يمكن صون حق المواطن في الكلام ولا حماية كرامته من التحريض والتخوين ما لم يتحرك القضاء اللبناني لملاحقة من يحرّض على عبير وأمثالها أو يهددهم.
كما لا يمكن تحقيق الأمان الفعلي ما لم تتمسك الدولة بقرارها الصريح الصادر عن مجلس الوزراء بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وبسط سيادتها الأمنية على كامل أراضيها؛ إذ لا معنى لحرية الرأي في بيئة يتحكم فيها السلاح خارج إطار القانون.
المسألة في نهاية المطاف ليست عبير مروّة وحدها، بل هي حقنا جميعاً — جنوبيين ولبنانيين — في أن نكون مواطنين كاملين؛ أن نقول ما نؤمن به ونطالب بأمان أولادنا وبدولة تحمينا دون أن نُتَّهم في كراماتنا ووطنيتنا.
إذا كانت الدولة تريد أن تكون دولة حقاً، فعليها أن تحمي المواطن الذي يصرخ بوجعه ويطالب بها حيث لا تصل يدها بعد، وأن تثبت له أن كلمته حق يصونه القانون لا مخاطرة يدفع ثمنها وحده؛ لأن الوطن الذي يخاف فيه المواطن من أن يقول “بدنا الدولة”، هو وطن لم تكتمل دولته بعد.
بدنا الدولة.
