في الذكرى الثالثة ل٧ أكتوبر… ما مصير اللبنانيين العالقين في غزة؟

بقلم ياسمين شعبان

تحلّ الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر على وقع المآسي التي خلّفتها الحرب في غزة وامتدّت إلى لبنان، حيث حصد التصعيد أرواحًا ودمّر بيوتًا وهجّر عائلات وأثقل بلدًا منهكًا بالأزمات. وبين الخسائر التي طالت اللبنانيين، تبقى حكايات بعيدة عن الأضواء، لمواطنين عاشوا الحرب داخل القطاع نفسه، وتحوّلت عودتهم إلى وطنهم إلى أمنية معلّقة على النجاة وتأمين طريق للخروج.

من بين هؤلاء، كاتيا قاسم عراجي، ابنة بلدة برالياس البقاعية، المتزوّجة والمقيمة في غزة منذ خمسة عشر عامًا. في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، تروي ما عاشته مع أطفالها الثلاثة، من الجوع والنزوح وإصابة ابنتها، وصولًا إلى خسارة منزلها وانتظار مساعدة تعيدها إلى لبنان.

كانت زيارتها الأخيرة إلى لبنان عام 2019، وخطّطت للعودة في السنة التي اندلعت فيها الحرب. لكن صباح السابع من أكتوبر بدّل حساباتها. تتذكّر استعداد أولادها للمدرسة، ثم أصوات الصواريخ وضجيج الشارع. وبين مظاهر الابتهاج التي شاهدتها حولها، كان سؤال آخر يشغلها: “بكرا شو رح يعملوا فينا؟”.

في البداية، اعتقدت أنّ التصعيد سينتهي خلال أيام، كما حدث في جولات سابقة. سرعان ما تبدّد ذلك الاعتقاد مع اشتداد القصف واتّساع رقعته. لجأت العائلة إلى الطابق السفلي، ثم توافد الأقارب بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، حتى تجاوز عدد الموجودين في المبنى أربعين شخصًا، بحسب روايتها.

ومع تزايد الخوف، بدأت المؤن تنفد والأسعار ترتفع. كان زوجها يعمل داخل إسرائيل، وتوقّف مصدر رزقه مع الحرب. لم تكن الأسرة قد خزّنت ما يكفي لمواجهة انقطاع طويل، لتجد نفسها أمام سؤال يومي: ماذا سيأكل الأطفال؟ وكيف يمكن تدبير الوجبة التالية بعدما استُهلك الموجود في البيت؟

نزحت الأسرة إلى منزل شقيقة زوجها، حيث أمضت نحو عشرة أيام. تتحدّث كاتيا عن أكثر من أربعين شخصًا تقاسموا غرفتين ومطبخًا وحمّامًا. هناك، اختُصرت وجباتها وأولادها في طبق أرز عند المساء. كانت تتنازل عن حصّتها كي يأكلوا، فيما لم يكن أحد أبنائها، وهو طفل لديه اضطراب طيف التوحّد، يستوعب الاختفاء المفاجئ للأطعمة التي اعتادها.

تستعيد مشاهد أطفال يتنازعون قطعة بصل أو شيئًا من الخضار، وتقول إنّها خسرت ثمانية عشر كيلوغرامًا من وزنها خلال الحرب. بات البحث عن أيّ شيء يسدّ الجوع جزءًا من يومهم، إلى جانب تأمين المياه والاحتماء من الغارات ومحاولة تهدئة الأطفال.

ولم يبقَ الخوف احتمالًا بعيدًا عن أبنائها. ففي إحدى المرّات، كانت ابنتها برفقة صديقتها في مركز، عندما وقع قصف بجواره، فقُتلت الصديقة وأُصيبت ابنتها. وفي حادثة أخرى ترويها كاتيا، سقطت الفتاة من شدّة الرعب أثناء عودتها من المدرسة إثر قصف قريب، وانكسرت نظارتها التي تحتاج إليها بسبب مشكلات في النظر.

عادت العائلة إلى منزلها بعد النزوح الأوّل، متمسّكة بالبقاء رغم القصف. لكن تحذيرًا من استهداف منزل مجاور دفعها إلى الخروج على عجل. لم تحمل كاتيا جوازات السفر أو أوراقها أو مقتنياتها. وبعد سقوط الصواريخ، وصلها الخبر: منزل العائلة قُصف. خسرت الأسرة مأواها وسيارتها، وبدأ البحث مجدّدًا عن سقف يسترها.

تقول إنّها أمضت ليلة في الشارع، قبل الانتقال لاحقًا إلى غرفة محترقة جزئيًا، يتّصل بها جزء من خيمة، وتنتشر فيها الحشرات والقوارض. هناك، تصبح النظافة والخصوصية والنوم الهادئ مطالب بعيدة، فيما تحاول الأمّ تدبير احتياجات أولادها بما يصلها أحيانًا من مساعدات من لبنان.

أمّا العودة، فما زالت معلّقة. بحسب كاتيا، طلبت منها السفارة اللبنانية الوصول إلى المعبر، لكنّ خروجها وحدها كان يتطلّب تسعة آلاف دولار، تقول إنّ جهة مصرية طلبتها لتنسيق عبورها. وتضيف أنّ أحدًا من أقاربها أو معارفها في لبنان لم يتكفّل بتأمين المبلغ، رغم القدرة المادية التي تؤكّد أنّ بعضهم يمتلكها. وبين مساعدات متفرّقة لاحتياجاتها اليومية وكلفة خروج تفوق إمكاناتها، بقي طريق العودة مسدودًا. وتؤكّد أنّ أيّ جهة رسمية لبنانية، بما فيها وزارة الخارجية، لم تتكفّل بإخراجها وأطفالها، رغم طلبها المساعدة.

بين برالياس وغزة، تختصر كاتيا مطلبها بالعودة مع أطفالها إلى مكان آمن، وتنهي حديثها برجاء بسيط: “بس بدي منكم تدعولي… الله يطلعنا منها”. لكنّ شهادتها تفتح سؤالًا يتجاوز مأساتها الشخصية: ما مصير اللبنانيين الذين ما زالوا عالقين في القطاع، وكم يبلغ عددهم؟ وفي غياب إحصاء موثّق متاح لهذا التقرير، تبقى أعدادهم وظروفهم أسئلة تستوجب إجابات رسمية، إلى جانب السؤال الأهم: من يتولّى مسؤولية إعادتهم إلى وطنهم؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top