
بقلم ملاك الصميلي
بعد واحد وأربعين عاماً من الانتظار، طوى قرار أميركي صفحةً ارتبطت بلبنان منذ الحرب الأهلية، بعدما ألغت واشنطن القيود المفروضة على الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، والتي تعود إلى عام 1985، إثر خطف طائرة “TWA”.
القرار، الذي وُقّع في 30 أيلول ونُشر في 5 تشرين الأول، يفتح الطريق قانونياً أمام استعادة الرحلات المباشرة، لكنه لا يعني أن الطائرات ستقلع فوراً أو أن المسافرين باتوا قادرين على حجز تذاكرهم بين بيروت والمدن الأميركية، إذ لا تزال هناك سلسلة من الإجراءات الأمنية والتنظيمية والتشغيلية الواجب استكمالها.
وفي حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، اعتبرت الصحافية والمحللة السياسية سوسن مهنّا أن أهمية القرار تكمن في رفع قيد بقي مرتبطاً بصورة لبنان منذ زمن، مشيرةً إلى أن العالم تغيّر خلال العقود الأربعة الماضية، فيما استمر لبنان واللبنانيون في دفع ثمن تلك المرحلة، واضطر المسافرون إلى المرور بدولة ثالثة للوصول إلى الولايات المتحدة.
ورأت مهنّا أن إلغاء واشنطن القيود، بعدما اعتبرت أنها لم تعد ضرورية لحماية الطائرات من الخطف، يشكّل فرصة للبنان كي يخرج تدريجاً من صورة البلد الذي تُحدَّد علاقته بالعالم انطلاقاً من أزماته وماضيه الأمني.
لكن الطريق بين رفع الحظر وإقلاع أول رحلة مباشرة لا يزال يحتاج إلى خطوات عملية. وأوضحت مهنّا أن سريان القرار فوراً لا يعني بدء تشغيل الرحلات، إذ يتطلب الأمر استكمال الموافقات الأمنية والتنظيمية، وتجهيز الشركة التي ستتولى تشغيل الخط، واختيار الطائرات والوجهات، ووضع الجداول الزمنية.
وشدّدت على ضرورة عدم إعطاء اللبنانيين موعداً لم يُعلن رسمياً، لافتةً إلى أن السؤال الأساسي بالنسبة إلى المغترب يبقى: متى يمكنه حجز تذكرة مباشرة من نيويورك إلى بيروت؟
وقالت إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق السلطات المعنية لمتابعة الملف، وإطلاع اللبنانيين على ما أُنجز وما تبقى من إجراءات، لأن القيمة الحقيقية للقرار ستظهر عندما يتحول إلى رحلة يستطيع المسافر حجزها فعلياً.
وعن الشروط التي قد تفرضها واشنطن قبل تسيير الرحلات، أشارت مهنّا إلى عدم نشر قائمة نهائية خاصة بمطار بيروت حتى الآن، إلا أن التدقيق الأميركي يُتوقع أن يشمل إجراءات تفتيش الركاب والأمتعة والشحن، وضبط الدخول إلى المناطق الحساسة، وحماية الطائرات، والتأكد من تدريب العاملين وتطبيقهم المعايير المطلوبة.
وأضافت أن هناك تقييماً منفصلاً يتعلق بسلامة الطيران وقدرة السلطات اللبنانية على الرقابة، إلى جانب التراخيص التي تحتاج إليها شركة الطيران المشغّلة.
وبحسب مهنّا، فإن الأساس الذي ينبغي للبنان أن يتمسك به، قبل أن تطلبه واشنطن، هو تثبيت سلطة الدولة الكاملة على المطار، لناحية تحديد الجهات المسؤولة عن الدخول والتفتيش ومراقبة الشحن والمحاسبة عند وقوع أي خرق.
وقالت: “لا يمكن بناء ثقة مستدامة إذا كانت المسؤوليات ملتبسة، أو إذا كانت هناك استثناءات تحميها السياسة. أمن المطار مسؤولية الدولة اللبنانية، وهي التي يجب أن تكون قادرة على ضمانه”.
ورأت مهنّا أن القرار يعكس خطوة على طريق استعادة الثقة الأميركية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، ويمكن البناء عليها، خصوصاً أن النص الأميركي اعتبر أن القيود السابقة لم تعد ضرورية، فيما وصف رئيس الجمهورية جوزاف عون القرار بأنه مؤشر إلى الثقة بالإجراءات اللبنانية المتعلقة بأمن الطيران.
إلا أنها حذّرت من اعتبار ذلك دليلاً على اكتمال جميع التقييمات والموافقات، معتبرة أن واشنطن تمنح الدولة اللبنانية فرصة، وعلى الأخيرة إثبات قدرتها على الاستفادة منها.
وأضافت أن الثقة تتراكم عندما يصبح القرار بيد المؤسسات، وتُطبق القوانين على الجميع، وتتمكن الدولة من ضمان خضوع مرافقها وحدودها وسلاحها لسلطتها، مؤكدةً أن كل خطوة في هذا الاتجاه تفتح أمام لبنان باباً إضافياً.
وفي البعد السياسي، رأت مهنّا أنه لا يمكن فصل القرار عن المناخ الذي أعقب زيارة الرئيس عون إلى واشنطن في تموز، حيث طُرح ملف إعادة الرحلات المباشرة، لكنها دعت إلى الدقة وعدم تحميل القرار أكثر مما يتضمنه.
وأوضحت أن النص المنشور لا يتحدث عن صفقة إقليمية، ولا يتضمن شرطاً معلناً متعلقاً بسلاح حزب الله، وبالتالي فإن ربطه بهذه الملفات يبقى قراءة سياسية للسياق وليس بنداً وارداً في القرار.
وبحسب قراءتها، هناك استعداد أميركي لفتح مجال أوسع أمام الدولة اللبنانية، ما يضع عليها مسؤولية كبيرة، بعدما دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة ارتباط اسمه بالخطف والحروب والسلاح خارج الدولة.
وعن الجهة التي قد تتولى تشغيل الرحلات، قالت مهنّا إن المعطيات المتوافرة تشير إلى متابعة شركة “طيران الشرق الأوسط” التحضيرات والموافقات الأميركية، ما يجعلها المرشح الأقرب من الجانب اللبناني، إلا أنه لا يوجد حتى الآن إعلان نهائي عن تشغيل الخط أو موعد انطلاقه.
كما أن رفع الحظر لا يُلزم شركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات إلى بيروت، إذ ستدرس هذه الشركات حجم الطلب والجدوى الاقتصادية وكلفة التشغيل والتأمين ومدى استقرار الرحلات قبل اتخاذ قرارها.
ورأت أن وجود جالية لبنانية كبيرة في الولايات المتحدة يمنح الخط فرصة مهمة، لكن ضمان استمراره يحتاج إلى ظروف تسمح بتشغيله بانتظام، لأن أهمية معرفة الشركة التي ستطلق الرحلات لا تقل عن أهمية ضمان عدم توقفها بعد مدة قصيرة.
أما اقتصادياً، فإن عودة الرحلات المباشرة ستنعكس أولاً على المغتربين من خلال تسهيل السفر وتقليص ساعات الانتظار ومشقة المرور بمحطات إضافية، ولا سيما بالنسبة إلى العائلات وكبار السن.
وقد يشجع تسهيل الوصول إلى لبنان المغتربين على زيادة زياراتهم، ما ينعكس حركةً إضافية في الفنادق والمطاعم والأسواق وقطاع النقل، فضلاً عن تسهيل سفر رجال الأعمال والوفود واستكشاف فرص الاستثمار.
و ختمت مهنّا أن تشغيل الخط لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار التذاكر تلقائياً، إذ يرتبط ذلك بعدد الشركات والرحلات وحجم المنافسة.
