4 مصادر أميركية تكشف ل”ديمقراطيا نيوز” خفايا وحقيقة المال الإيراني الأسود لحزب اللّٰه

بقلم شادي هيلانة

يبدو أن المواجهة المالية بين واشنطن وحزب الله تتجه نحو مسارات أكثر تعقيداً، مع اتساع الاهتمام الأميركي بالشبكات التجارية والمالية التي يُشتبه في قدرتها على تأمين الموارد للحزب، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط متزايدة بفعل العقوبات والقيود المفروضة على قنوات التحويل التقليدية، وفي هذه المعادلة، لا تنحصر المسألة في حجم الأموال التي يمكن أن تصل إلى الحزب، إذ تشمل أيضاً الجهات التي تتولى نقلها، والأنشطة التي تدرّ الإيرادات، والوسائل التي تتيح إخفاء مصدر الأموال والمستفيد النهائي منها.

وقد اكتسب هذا الملف زخماً إضافياً عقب التقرير الذي نشرته وكالة “رويترز” في 7 تشرين الأول الجاري، ونقلت فيه عن شخصين مطّلعين مباشرة على عملية التحويل أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران خلال الشهر الماضي، بهدف مساعدة نحو 50 ألف عائلة لبنانية نزحت جراء الحرب، غير أن وزارة الخارجية الأميركية سارعت إلى نفي هذه الرواية، إذ قال المتحدث باسمها تومي بيغوت إن الأموال غير موجودة، متهماً الحزب بمحاولة تحسين صورته من خلال روايات تتحدث عن تدفقات مالية إيرانية، وفي المقابل، نقلت “رويترز” عن متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية أن طهران تستنفد الأموال والوسائل المتاحة أمامها لتمويل حلفائها، لتبقى حقيقة التحويل موضع خلاف بين رواية تستند إلى مصادر مطلعة على العملية، وموقف أميركي ينفي حصولها من دون أن تُعلن حتى الآن أدلة علنية تحسم الجدل.

غير أن أهمية القضية تتجاوز التحقق من وصول المبلغ المذكور أو عدمه، كونها تعيد تسليط الضوء على شبكة التمويل الخارجية لحزب الله، في وقت تشير فيه وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية في آذار 2026 إلى استمرار اعتماد الحزب على مصادر دخل متنوعة، تشمل الدعم الإيراني، والتهريب والاتجار غير المشروع، والتبرعات، والأنشطة التجارية المشروعة وشبه المشروعة، وتحدد الوثيقة غرب أفريقيا وأميركا اللاتينية باعتبارهما منطقتين مهمتين في شبكات الحزب المالية غير المشروعة، كما تتناول دور شركات الواجهة والوسطاء الماليين وشركات تحويل الأموال في توليد الإيرادات ونقلها وغسلها، بما يضع حركة الأموال خارج لبنان في صلب الجهود الأميركية الرامية إلى تفكيك قنوات التمويل المشتبه في استخدامها.

في هذا الإطار، يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلوريدا أتلانتك، الدكتور روبرت رابل، في حديث إلى “ديمقراطيا نيوز” أن تجارة المخدرات وغسل الأموال يحتلان موقعاً بارزاً في الملفات التي تملك واشنطن بشأنها سوابق موثقة تتعلق بشبكات مرتبطة بتمويل حزب الله، ويستشهد بالإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة الأميركية في أيلول 2023، بالتنسيق مع إدارة مكافحة المخدرات، واستهدفت أفراداً وشركات في أميركا الجنوبية ولبنان، إذ قالت السلطات الأميركية إن الشبكة المعنية كانت تولد إيرادات للحزب وتوفر غطاءً لوجوده في أميركا اللاتينية، فيما شملت القضية اتهامات تتصل بتهريب المخدرات وغسل الأموال عبر عدة بلدان، ويرى رابل أن هذا الملف يستند إلى قضايا وإجراءات معلنة وأسماء محددة، وليس مجرد احتمال نظري مطروح في الحسابات الأميركية.

وتكمن أهمية هذا المسار، وفق رابل، في طبيعة الاقتصاد غير المشروع وقدرته على إدخال الأموال في دورة من المعاملات التجارية والمالية المعقدة، إذ يمكن أن تنتقل الإيرادات الناتجة من تجارة المخدرات عبر شركات وحسابات ووسطاء، بما يصعّب على الجهات الرقابية تحديد صلتها بمصدرها الأول، وقد تداخلت في بعض القضايا أنشطة مرتبطة بتجارة المخدرات مع عمليات غسل أموال لصالح جهات إجرامية، ضمن ملفات شملت ميسرين ماليين لبنانيين، وهو سجل يفسر اهتمام المؤسسات الأميركية بتتبع الروابط بين الجريمة المنظمة وقنوات التمويل التي يُشتبه في توظيفها لمصلحة حزب الله.

أما في غرب أفريقيا، فتتخذ الصورة أبعاداً تتجاوز التحويلات النقدية المباشرة، لتشمل التجارة بين الدول، واستيراد السلع وإعادة بيعها، والشركات التي يمكن استخدامها لحجب هوية المستفيد الفعلي من المعاملات، وقد شملت بعض المسارات استخدام عائدات من تجارة المخدرات إلى جانب تجارة السيارات المستعملة، مع نقل الأموال بين الولايات المتحدة وغرب أفريقيا ولبنان، كما أشار تقرير وزارة الخزانة لعام 2026 إلى دور شركات الواجهة والأنشطة التجارية في توليد الإيرادات وتحريكها، ما يجعل التدقيق في حركة السلع والأموال معاً ضرورياً لفهم آليات عمل هذه الشبكات.

وبذلك، لا تبدأ ملاحقة التمويل بالضرورة عند وصول الأموال إلى لبنان، إذ يمكن أن تنطلق من شركة تنفذ معاملة تجارية، أو وسيط يرتب عملية تحويل، أو مؤسسة مالية تمر عبرها الأموال، قبل الوصول إلى الجهة المستفيدة، وهذا الاتساع في نطاق التحقيق يمنح السلطات الأميركية أكثر من نقطة للتدخل،سواء عبر العقوبات أو الملاحقات القضائية أو تتبع المعاملات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات تمويل غير مشروعة.

وفي هذا السياق، تحدثت مصادر أميركية متابعة إلى موقعنا عن قضية اتُّهم فيها مواطن أميركي لبناني مزدوج الجنسية باستخدام شركة لبنانية لشراء معدات إلكترونية من الولايات المتحدة وإعادة بيعها لجهات في الشرق الأوسط وأفريقيا، ضمن مخطط قالت السلطات الأميركية إنه تضمن معاملات مالية صُممت لإخفاء مصدر الأموال ووجهتها، وتقدم هذه القضية مثالاً على طبيعة الأساليب التي تحقق فيها السلطات الأميركية في ملفات التمويل والالتفاف على العقوبات، حيث تتحول المعاملات التجارية في حال ثبوت إساءة استخدامها، إلى جزء من مسار يستدعي التدقيق في الأطراف المستفيدة والوجهة النهائية للعائدات.

وعلى مستوى الرواية المتعلقة بمبلغ الـ200 مليون دولار، يقدم مستشار وزارة الخارجية الأميركية السابق حازم الغبرا قراءة مختلفة، إذ يقول ل”ديمقراطيا نيوز” إن المصدر الذي تحدث إلى رويترز بشأن وصول الأموال إلى حزب الله يشير إلى مصادر مرتبطة بالحزب مباشرة، معتبراً أن الإدارة الأميركية تمتلك منظومة رقابية تجعل تحويل الأموال، حتى عندما يتعلق بمبالغ محدودة، عملية شديدة الصعوبة، ويؤكد الغبرا أن قنوات تحويل الأموال والشيكات والنقل المباشر تعرضت للتدمير، مشيراً إلى أن ذلك لم يكن نتيجة عمل الولايات المتحدة وحدها، إذ ساهم حلفاء سريون أيضاً في استهداف هذه المسارات، ما يجعل نقل الأموال عملياً شبه مستحيل.

ويذهب الغبرا إلى أن تحويل إيران 200 مليون دولار إلى حزب الله من دون ظهور العملية على أنظمة التتبع الأميركية أمر غير واقعي في ظل القيود المفروضة على طهران والجهات المرتبطة بها، ويطرح احتمالاً آخر مفاده أنه إذا كانت الأموال ستُدفع فعلاً، فقد تكون موجودة لدى حزب الله منذ فترة، وأن الحزب قرر، لسبب أو لآخر، تخصيصها لمساعدة اللاجئين والمتضررين، غير أنه يشدد على صعوبة تصديق حصول تحويل بهذا الحجم في ظل الرقابة المشددة، مستنداً إلى ما يسمعه من دوائر القرار في واشنطن بشأن القيود التي تفرضها الأجهزة الرقابية على إيران والجهات المرتبطة بها.

ومن جهته، يقول عضو الحزب الجمهوري توم حرب لموقعنا إن إيران لم تعد تمتلك القدرة المالية التي كانت تتيح لها تحويل الأموال إلى حزب الله في السابق، معتبراً أن الشبكات والمصارف الإيرانية باتت تحت المراقبة، إلى جانب الإجراءات الرامية إلى منع الطائرات الإيرانية من نقل الأموال إلى حلفاء طهران، ويرى حرب أن استمرار الحديث عن وصول تمويل إيراني إلى الحزب يشكل، “إهانة” للأميركي الذي يعمل ليلاً ونهاراً لضبط هذه التحويلات ومنع استخدامها في تعزيز قدرات الحزب.

ويضيف حرب أن الرسالة الأميركية الثانية إلى اللبنانيين تتمثل في طمأنتهم إلى أن الأموال الإيرانية لم تعد تتدفق إلى حزب الله بالوتيرة السابقة، مستخدماً عبارة “سكرنا الحنفية”، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار الرقابة الأميركية على أموال يُشتبه في وصولها من دول أفريقية عبر عمليات غسل أموال وشبكات مالية غير شرعية، معتبراً أن استمرار هذه المسارات يرتبط أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط حركة الأموال وملاحقة الجهات التي تسمح بمرورها.

وبين الروايات المتضاربة حول التحويل الإيراني، والحديث عن أموال متاحة لدى “القرض الحسن” والتحذيرات من قنوات تمويل بديلة تمر عبر أفريقيا، يتقدم سؤال التمويل إلى ما هو أبعد من الرقم المتداول، فالمسألة ترتبط بمصدر الأموال والطريق الذي تسلكه، والجهات التي تتولى نقلها أو إخفاء وجهتها، ومدى قدرة العقوبات الأميركية على تعطيل هذه المسارات، وفي موازاة ذلك، يبقى توقيت المساعدات التي أعلن حزب الله تخصيصها للعائلات النازحة عنصراً يستحق التدقيق، من دون اعتباره وحده دليلاً حاسماً على حصول التحويل أو نفيه، فيما ستظل قدرة واشنطن على تتبع الشبكات المالية والتجارية خارج لبنان أحد العوامل الأساسية في تحديد مدى فاعلية الضغط على موارد الحزب.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top