شحنة ضهر البيدر: الضبط ليس الانتصار

بقلم الياس عيسى الياس

على الحاجز المشرف على طريق ضهر البيدر، أوقفت القوى الأمنية بعد ظهر خميس سيارة رمادية من نوع «دودج كارافان» بسبب حمولتها الزائدة.

بدت المخالفة عادية، لكن المعاينة كشفت عن قرابة ثمانمائة كيلوغرام من المتفجرات، موزعة بين البنتريت والـ«سي-فور» والـ«تي إن تي»، ومعبأة في صناديق كرتونية.

شحنة بهذا الحجم أُوقفت بسبب مخالفة سير. هذه المفارقة وحدها تكفي لطرح سؤال مقلق: كم شحنة مرّت قبلها دون أن يوقفها أحد؟

ثمة فرق بين ضبط الشحنة وكشف من يقف خلفها. الأول يُحسب للقوى الأمنية ويستحق التقدير.

أما الثاني فهو الامتحان الحقيقي للدولة، وبه ستُقاس قيمة ما جرى. فالسؤال ليس ماذا ضُبط، بل أين سينتهي الملف.

أفادت التحقيقات الأولية بأن من كان يحمل الشحنة رجلان يُشتبه في انتمائهما إلى حزب الله، هما هيثم أمهز وعلي الكردي، وأحدهما نجل مسؤول بارز في الحزب.

هما موقوفان قيد التحقيق، وتبقى قرينة البراءة قائمة إلى أن يقول القضاء كلمته.

لكن من حق اللبنانيين أن يسألوا لمصلحة من أُعدّت هذه الكمية، ومن يقف خلفها، وما الغاية من نقلها.

فوفق ما نُشر، كانت الشحنة في طريقها من البقاع إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، أي إلى قلب العاصمة الكبرى لا إلى خطوط المواجهة.

ولا سيما أن الخبر تزامن مع أنباء عن ضبط شحنات أخرى قرب الحدود السورية في القصر والهرمل.

وقد زاد الأمر التباساً ما نقلته صحيفة الجمهورية في 12 تشرين الأول، من أن حزب الله طلب استرداد المتفجرات المصادرة، بحجة أنه يحتاج إليها لمقاومة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

وإن صحّ ذلك، فالطلب يصطدم بقرار صريح لا بسؤال أخلاقي فحسب.

ففي الثاني من آذار الماضي قرر مجلس الوزراء حظر النشاطات العسكرية والأمنية الخارجة عن القانون وحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة، ووصفه رئيس الجمهورية بأنه نهائي لا رجوع عنه، وأوكل تنفيذه إلى الجيش والقوى الأمنية.

والقرار لا يمس حق الحزب في العمل السياسي، لكنه يسحب منه الحق في حيازة المتفجرات وتخزينها.

فكيف يطلب طرف محظور عسكرياً استرداد مضبوطات صودرت في ملف جنائي؟

وما الصلة بين ثمانمائة كيلوغرام في سيارة عادية، وجهتها وفق ما نُشر الضاحية الجنوبية، وبين جبهة الجنوب؟

ثم إن الدفاع عن الأرض مسؤولية الدولة وجيشها، لا مبرر لتخزين المتفجرات خارج رقابتها.

ومن هنا، فإن أول اختبار للقضاء أن يرفض هذا الطلب علناً، وأن يُبقي المضبوطات في عهدته بوصفها أدلة، وأن يُطلع اللبنانيين على ذلك.

فرفض الطلب أو قبوله سيقول عن وجهة الملف أكثر مما تقوله عشرات التصريحات.

ولا يستطيع من عاش سنوات الاغتيالات أن يمر بالخبر مروراً عابراً.

من رفيق الحريري إلى محمد شطح، مروراً بسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووسام الحسن، تعلّم اللبنانيون أن المتفجرات قد تسبق الدم.

لا نربط بين هذه الشحنة وتلك الجرائم بحكم مسبق، لكن ذاكرة اللبنانيين لا تحتاج إلى دليل كي تقلق، وواجب القضاء أن يجيب عن قلقها بالوقائع لا بالتطمينات.

وأكثر ما يخشاه اللبنانيون هو المسار المألوف: لفلفة القضية، وتمييع التحقيق، وإخلاء سبيل الموقوفين، وإعادة المتفجرات إلى أصحابها، ثم حفظ الملف إلى جانب ملفات الجرائم الكبرى التي لم تُكشف حقيقتها، من اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 إلى اغتيال لقمان سليم عام 2021.

نشأت هذه العادة في زمن الوصاية السورية واستمرت بعده.

أما اليوم فقد تغيّر الظرف: انتهت الوصاية السورية، وتراجع النفوذ الإيراني، وتحررت الدولة، أو يُفترض أنها تحررت، من عقدة الخوف والتبعية.

لذلك فإن من واجبها أن تكشف الحقائق أمام شعب من حقه أن يعرف كل التفاصيل: من يقف وراء الشحنة، وما غاية نقلها إلى الضاحية، وهل وراءها مخطط لاغتيالات داخلية يُحضَّر في الخفاء.

وقد جاءت المواقف السياسية متباينة النبرة، متقاربة المضمون.

حذّر النائب وضاح الصادق من أن تكون هذه المتفجرات أُعدّت لترتيب أوراق دموية جديدة في ظل تراجع مسارات إمداد الحزب.

ودعا رئيس حزب الكتائب سامي الجميل إلى تفكيك المنظومة العسكرية والأمنية التي تبقي البلد رهينة للخطر.

واعتبر النائب أشرف ريفي ما جرى اختباراً لكرامة الدولة، وطالب نواب القوات رازي الحاج وزياد حواط بتحرك قضائي لا استثناءات فيه.

يجمع هذه المواقف خوف واحد: أن يُطوى الملف قبل أن يُفتح.

رسمياً، أشاد رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار بيقظة القوى الأمنية، وتعهد وزير العدل عادل نصار بأن الملاحقة لن تتوقف، فيما يتولى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم متابعة الملف.

هذه إشارات إيجابية، لكن اللبنانيين تعلموا ألا يقيسوا الأمور بالبيانات.

فقد انتهت قضايا سابقة بإخلاءات سبيل بكفالات لا تتخطى عشرة دولارات، وهذه السابقة تجعل الثقة مشروطة بالنتيجة.

والجيش أمام اختبار موازٍ. فقد أوكلت إليه الحكومة تنفيذ قرار حظر النشاطات العسكرية والأمنية الخارجة عن القانون، فيما يتصاعد الدعم الدولي لمؤسسته مع اقتراب انسحاب اليونيفيل نهاية عام 2026، وتتوالى المساعدات والتدريبات والبعثات الأوروبية لدعم ضبط الحدود.

غير أن التجهيز وحده لا يكفي، ما لم تواكبه إرادة سياسية تمنح المؤسسة العسكرية الغطاء الكامل لتنفيذ هذا القرار وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.

وما حدث على الحاجز دليل على أن الكفاءة موجودة، وأن الناقص هو الغطاء.

ولا يقتصر الثمن على الأمن. فكل خبر عن متفجرات تعبر القرى والمدن يضرب ما تحاول الدولة بناءه من ثقة دولية، ويهدد السياحة والاستثمار اللذين يقوم عليهما أي تعافٍ اقتصادي.

كيف نقنع العالم بأننا نطوي صفحة الفوضى، بينما تُضبط شحنة بهذا الحجم على طريق عام؟

لهذا كله، نريد ثلاثة أمور واضحة.

أولها تحقيق قضائي شفاف، بجدول زمني محدد، يكشف المسؤولين كباراً وصغاراً دون حماية سياسية.

وثانيها رفض أي تسوية رخيصة أو إخلاء سبيل بكفالة رمزية تستخف بدماء اللبنانيين، وفي مقدمها رفض إعادة المضبوطات إلى أي جهة، وتطبيق قرار الحظر الصادر عن مجلس الوزراء على هذه الشحنة وعلى غيرها.

وثالثها إطلاع الرأي العام على الحقائق كاملة، بما لا يمس سرية التحقيق.

كل العيون شاخصة اليوم إلى هذه القضية، ومصداقية الدولة على المحك.

فإما أن تكشف الحقيقة كاملة، مهما كانت العوائق ومهما كانت الأسماء المتورطة، فتستعيد ثقة الناس، وإما أن تتراجع فتواصل السقوط في هاوية الفشل والخذلان.

وما جرى على حاجز ضهر البيدر انتصار صغير لليقظة، ولن يتحول إلى انتصار للدولة إلا إذا انتهى الملف بحكم قضائي لا بتسوية.

فإن طُوي كما طُوي غيره من الملفات، خسرنا على طاولة التسويات ما كسبناه على الحاجز.

هل ننتصر أخيراً لدولة تحمي أبناءها، أم نبقى رهائن في ملعب الأقدار؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top